جارى فتح الساعة......

لماذا تخطط بريطانيا للاحتفال بوعد بلفور؟! : محمد الشاذلي

ارتبط وعد بلفور تاريخيًا في أذهاننا بجملة جمال عبدالناصر: لقد أعطى من لا يملك وعدًا لمن لا يستحق..

ووردت تلك الجملة الشهيرة لعبدالناصر في أحد الخطابات المتبادلة مع الرئيس الأمريكي جون كنيدي العام 1961.

هذا الوعد الذي صدر في نوفمبر 1917 وترفض بريطانيا حتى الآن الاعتذار عنه، أو دفع تعويضات من جراء ما حدث للشعب الفلسطيني بسببه، هو الذي ساهم في فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مصراعيه، وخصوصًا أن دولة صاحب الوعد، هي سلطة الاحتلال والانتداب لدولة فلسطين آنذاك، كذلك فعل بلفور نفسه عندما زار المنطقة عام 1925 ورفض سحب الوعد؛ لأنه صدر، ولأنه في رأيه لم يكن وعدًا شخصيًا، وإنما تعبير عن الحكومة البريطانية.

لا أحد في العالم العربي رأى خيرًا في هذا الوعد، ومنذ صدوره قبل مائة عام بالتمام والكمال، وهو جرح لا يندمل، فقصة احتلال فلسطين، تبدأ من ذلك الوعد البغيض، ولا تنتهي حتى الآن، وعلي الرغم من ذلك، ومن كل الملابسات، والتحديات والعقبات الإسرائيلية في طريق عملية السلام، فإن بريطانيا ترى في ذكرى الوعد مناسبة للاحتفال، وتشريد شعب فرصة لتبادل الأنخاب .

وأطالب بتحرك عربي فوري من خلال جامعة الدول العربية بمنع الاحتفال، كما نجح  تحرك عربي الشهر الماضي في تأجيل إقامة قمة إفريقية – إسرائيلية كانت مقررة في توجو.

لم تكن فلسطين فحسب هي المكان الذي فكر اليهود في إنشاء وطن قومي فيه فحسب، ولكن كانت هناك سيناء وقبرص وأوغندا أيضًا.

فقد كتب اليهودي الإنجليزي لورنس أوليفانت عام 1884 مُقترحًا بإنشاء قناة إسرائيلية من حيفا إلى العقبة تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

لم تُحفر هذه القناة أبدًا، ولكن ظل الحديث عنها معلقًا فوق الرؤوس، وأحلام الصهيونية العالمية بها لا تتوقف، منذ تيودور هرتزل الذي نظم الحركة الصهيونية وإلى الوقت الراهن، لتحل في مكان أو تناطح دور وأهمية قناة السويس، واعتبر هرتزل القناة عملًا ضخمًا وهائلًا وشديد الأهمية، وأصبحت سيناء عنده أنسب مكان لدولة المستقبل اليهودية.

وفي عام 1890 زار اليهودي الألماني بول فريدمان مصر، والتقى بسلطات الاحتلال الإنجليزي، وطلب موافقتها على هجرته إلى ساحل خليج العقبة فلم تمانع، وعاد فريدمان في العام التالي 1891 مع عشرين من اليهود الألمان والروس، واشتروا أرضًا في المويلح على الساحل الشرقي لخليج العقبة، وتم بذلك إنشاء أول مستوطنة يهودية في سيناء، ولكن الحكومة العثمانية بعد كتابات في الصحف المصرية قامت بطرد جماعة فريدمان بعد أقل من سنة من إقامتهم هناك.

وفي عام 1896 كتب تيودور هرتزل إلى اللورد الإنجليزي سولسبري يناشده الحفاظ على التوازن الدولي عن طريق دعم تركيا، وذلك عبر إنشاء دولة يهودية في فلسطين تكون مثل مصر، لها استقلال ذاتي، وفي الوقت نفسه تحت سيادة السلطان العثماني، وفي المقابل يدعم اليهود مالية السلطنة عن طريق الضرائب، وكان هرتزل قد حاول إقناع السلطان، وسافر إلى الآستانة لهذا الغرض.

والتقى بالزعيم مصطفى كامل، وكتب هرتزل في مذكراته عن هذا اللقاء: “أشعر – مع أني لم أخبره بذلك – بأنه مما يفيد قضيتنا أن يضطر الإنجليز إلى مغادرة مصر، فإنهم سيضطرون آنذاك أن يبحثوا عن طريق آخر للهند بدلًا من قناة السويس التي ستضيع منهم، أو على الأقل تصبح غير مأمونة، عندئذ تصبح فلسطين اليهودية الحديثة مناسبة لهم”، و”سيكون من مصلحة إنجلترا بناء خط حديدي رأسًا عبر فلسطين من البحر المتوسط إلي الخليج الفارسي“.

وتفاوض هرتزل مع الحكومة البريطانية عام 1902 من أجل الحصول على أرض لجمع اليهود المضطهدين، واقترح تنازل بريطانيا عن جزيرة قبرص لليهود، وطلب هرتزل من الملياردير اليهودي روتشيلد العمل على تنازل المملكة عن مستعمرة في إحدى ممتلكاتها، واقترح روتشيلد أوغندا، ولما لم يرد هرتزل الرد أمام الموجودين في القاعة، كتب ورقة صغيرة عليها الآتي:

شبه جزيرة سيناء، فلسطين، قبرص”، وفي مفاوضاته في لندن ومن بين مقترحاته ما طلبه هرتزل من وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين بإنشاء شركة يهودية تضع أقدامها في سيناء والعريش، وهو ما رحب به تشامبرلين ليحل مشكلة اليهود في بريطانيا، ويضمن إخضاعهم للمصالح البريطانية.

وفشلت تلك المحاولة، بسبب رفض عباس الثاني وبمساندة من اللورد كرومر تأجير سيناء، وعاد طرح فكرة أوغندا، لكن هرتزل رفض، وقال إنه يجب أن تكون فلسطين قاعدة لهم؛ ولهذا فكروا في العريش.

إلا أن هرتزل مات عام 1904 لكن فكرته لم تمت حتى صدر وعد وزير الخارجية البريطاني جميس آرثر بلفور في نوفمبر عام 1917.

وطالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة الحكومة البريطانية بتصحيح الخطأ الفادح الذي ارتكبته بحق الشعب الفلسطيني عندما أصدرت وعد بلفور، الذي يمنح اليهود وطنًا قوميًا لهم في فلسطين، برغم أن فلسطين كانت عامرة بأهلها، و97 في المائة من سكان فلسطين في ذلك الوقت كانوا فلسطينيين.

ولاحظ عباس أن الحكومة البريطانية لم تحرك حتى الآن ساكنًا إزاء مطالبته لها بتصحيح خطئها التاريخي، وحدد عباس مطالبه بدقة، أن تعتذر عن الخطأ، وتقدم التعويضات، وتعترف بدولة فلسطين، كما لاحظ – الأنكى والأسوأ – على حد تعبيره، هو أنهم يريدون “الاحتفال بمناسبة مائة سنة على جريمتهم هذه بحقنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*