جارى فتح الساعة......

مِمَّ يتكون الإيمان؟ : أيمن الجندي

لا يخفى عليكم أن هناك هجمة إلحادية كبرى بين الشباب، ولذلك رأيت أنه قد يكون مفيداً أن أهديهم تجربتى- وأنا فى هذه المرحلة من العمر- وأبين لهم كيف يفكر أخ لهم فى الإنسانية فى مثل هذا الموضوع الجوهرى الذى يتعلق، ليس فقط بمصيرنا الأخروى، بل أيضاً بمغزى وجودنا فى هذه الحياة.

■ ■ ■

فى البدء أقول إن الإيمان بالله يعلو عندى على الإيمان بالدين. فوجود الله تعالى هو الأصل. هذا الكون البديع، بتعاقب الليل والنهار، وشروق الشمس وغروبها، وتمام القمر ومحاقه، وألوانه البديعة التى تأخذ باللب وتأسر القلب وتسبى الروح. كل شىء فى هذا الكون حولى يشير إلى قوة عظمى تعلو فوق الإدراك. إله عظيم بعظمة المائة مليار مجرة التى خلقها!

هذا الكون الفسيح، والنجوم المتلألئة التى تمثل كل واحدة فيها شمساً لكواكب تسبح حولها. الرعد والبرق والمطر. الشجر والثمر والزهر. لطالما سجد قلبى عندما أشاهد شجرة مثمرة تتدلى الثمار الأنيقة منها، تشهد كل ثمرة على حدة بوجود خالقها، وكأنها تقول للمتشككة عقولهم: «ويحك؟ كيف تخرج ثمرة برتقال معطرة من بين خشب وطين؟ ثم تتساءل بعدها عن الدليل على وجود الله».

■ ■ ■

أؤمن بالإله العظيم ولا يخالجنى ذرة شك فى وجوده. يقين أكبر من يقين الحواس، فعينى ربما تخدعنى إذ أرى السماء زرقاء، فيما يؤكد لنا العلم أنها حيل انكسار الضوء وطول الموجات وامتصاصها.

أما يقينى بوجود الخالق فهو اليقين الذى لا يساوره شك. يقين مبنى على روعة الإحساس مثلما يقوم على بداهة الفكر. هذا البناء المحكم العجيب، القوانين المذهلة التى تتكشف لنا، كلٌ حسب اختصاصه: الإلكترونات ودورانها الأبدى حول النواة، والكواكب إذ تسبح حول شمسها، وعظمة الجسد البشرى، هجرة الطيور تقطع الكرة الأرضية الزرقاء من شمالها لجنوبها استجابة لغرائز غامضة، الأسماك التى تسبح عكس التيار لآلاف الأميال لتضع بيضها فى مكان ما، مواسم الغزل عند الحيوانات، الطاووس وهو يختال بقوس قزحه الخاص به، كل شىء، بمعنى كل شىء، يصرخ بأعلى صوته منبئاً عن وجود الإله.

■ ■ ■

واليوم فى تلك المرحلة من العمر، لم تعد تلك الأفكار الساذجة تجد سبيلاً إلى عقلى! أسئلة من قبيل (يا للهول لو تبين بعد الموت أنه لا يوجد شىء وأن كل ما حولنا صدفة)، فبفرض أن نظرية الانفجار العظيم حقيقة، وبفرض أن الخلق بدأ من عناق ذرات الكربون تحت الأشعة فوق البنفسجية فى المناطق الضحلة من ماء البحر، فمن خلق هذه المواد الأولية التى منها بدأ هذا الكون؟ وهكذا ترون أنه حتى الصدفة تحتاج إلى خالق!

■ ■ ■

والآن ماذا عن الدين؟ للأسف ما تبقى من مساحة المقال لا يكفى للاستفاضة، ولكنى أجمل أسبابى فى (القرآن الكريم). ببلاغته التى مازلنا نحار فى تفسيرها، والذى أهدانا التوحيد الصافى الذى لا تشوبه شائبة، وصحّح مفهوم النبوة التى تقوم على الهداية والبلاغ وليس على الخوارق والمعجزات، وقصص الأنبياء بما يليق بكمالهم، وأحوال العالم الآخر بين شقى وسعيد، والوصايا الأخلاقية التى- لو اتبعناها– لكفلت لنا العيش السعيد. وحقيقة أن القرآن، برغم أنه نزل متفرقاً خلال ٢٣ عاماً، فإن أوله كآخره، لم يشهد هذا التطور المحتوم فى كتابات البشر.

كتاب بديع فى صياغته ومحتواه، لم يجد عقلى مناصاً سوى الاعتراف بأن رجلاً كمحمد- عليه الصلاة والسلام- بالعصر الذى عاش فيه والمعارف التى حصّلها باعتباره ابناً لهذا العصر، يستحيل أن يكون المؤلف لهذا القرآن العظيم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*