جارى فتح الساعة......

شخصية مصر.. في عيون جمال حمدان (6) : د. حاتم عبدالمنعم أحمد

حلل جمال حمدان في موسوعته – “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان” – قضية السيطرة والقوة من جانب الحاكم، والخضوع والاستكانة من جانب المحكومين تحليلًا جغرافيًا تاريخيًا اجتماعيًا ونفسيًا بعمق يعكس ثقافته الموسوعية؛ لأن التاريخ أثبت أن هذه المشكلة قائمة في تاريخ مصر.

وحلل بالجغرافيا وفسر أسبابًا كثيرة ساعدت على السيطرة والقوة، ثم تناول بفكر اجتماعي عوامل بشرية، مثل كثرة الإنجاب، ونمط السكن، وعوامل نفسية، مثل شخصية الحاكم..

ونخرج مما سبق بعدة ملاحظات مهمة، منها: أن بيئة مصر تفرض نوعًا من المركزية الطبيعية، يجب التعامل معها كضرورة بيئية، وليس معنى هذا مزيدًا من البيروقراطية والروتين، ولكنه التعامل مع الواقع، فليس ما يصلح في أوروبا مثلًا وغيرها من البلاد – التي تعتمد على زراعة المطر، يصلح لبلاد النهر وتحتاج للمركزية، وعلينا العمل على الحد من عيوب المركزية، ولكن لا يمكن تجاهلها؛ لأن الجغرافيا هي أم الحقائق.

إن هناك تغير نسبي حدث في مصر ولاشك.. حيث كانت مصر مثلا في الستينيات يعيش في الريف معظم المصريين، الآن تناقصت النسبة، والأهم تناقصت نسبة العاملين في الزراعة بحكم تزايد السكان ومحدودية الأراضي الزراعية، وتطور الاعتماد على مصادر أخرى للإنتاج، والعمل مثل الصناعة والبترول والسياحة وغيرها، ولكن هذا تطور نسبي، وليس تغيرًا جذريًا؛ لأنه مازال يعيش في الريف المصري نحو 55% من السكان.

ثورة الاتصالات والعولمة تحد بلا شك من سيطرة الحكام بوجه عام؛ حيث يمكن الآن نقل أي حدث في أي مكان للعالم كله.

قضية الإنسان والبيئة “قضية شغلت الفلاسفة والمفكرين أيهما أقوى في التأثير”، فلا شك أن هناك عوامل طبيعية أو بيئية أدت لانتشار السيطرة في مصر، ولكن يبقى الأهم الإنسان، فهو الكائن الذي سخر له المولى الكون ليعمره، وهي نفس قضية الفقر والتنمية، وهل يرتبطان بالموارد الطبيعية أم بالإنسان، واليابان خير دليل على العنصر البشري هو الحاسم في التنمية؛ لأنه برغم الموارد المحدودة، استطاع الإنسان الياباني أن يصعد لقمة التنمية في حين يوجد العديد من البلدان الغنية بمواردها الطبيعية، ومع ذلك تعاني من التخلف، وهذه القضية تمت مناقشتها بالتفصيل في مقال يمكن الرجوع إليه على “بوابة الأهرام” بعنوان “مصر غنية برجالها”.

.. قضية الإصلاح الزراعي أو قانون الإصلاح الزراعي المفترى عليه؛ حيث أصبح من المعتاد مهاجمة هذا القانون، ووصفه بالاستبداد، وأنه هو السبب في فساد الزراعة المصرية؛ لأنه فتت الأراضي الزراعية وغيرها من الاتهامات، وكل هذا يخالف الواقع جملة وتفصيلا لعدة أسباب، أولها أن هذا القانون أخذ 13% فقط من كل الأراضي الزراعية المصرية.. فهل الـ 13% هي سبب تفتت الأراضي وفساد الزراعة، وكان هناك وقتها جمعية زراعية تضم صغار المزارعين للتعاون معًا في الزراعة والري وخلافه.

ثانيا هذه الملكية غير شرعية أصلًا؛ لأن محمد علي أخذها ظلمًا واغتصابًا من الفلاحين المصريين، وعندما يرد جزء صغير من هذه الأراضي لفقراء المزارعين المصريين، فهذا حق طبيعي وديني لا خلاف عليه، وعليكم الرجوع لكتاب الشيخ محمد الغزالي “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” الصادر عام 1949، وطالب فيه نصًا بأخذ الأراضي من كبار الملاك، وتوزيعها على المعدمين من المصريين.

وكثير من علماء الدين نادوا بذلك، هذا فضلًا عن تملك الأجانب جزءًا كبيرًا من هذه الأراضي، وهناك فتوى واضحة أيضًا للشيخ الغزالي بتحريم تملك الأراضي المصرية بوجه عام للأجانب دائمًا وتحت أي ظروف.

ـ بالنسبة لصبر المصريين فهو صبر الحليم، وليس صبر الضعفاء؛ ولذلك قام المصريون بالملايين في عامي 2011، 2013 مطالبين بالعدالة الاجتماعية وغيروا من نظام الحكم؛ مما يؤكد رؤية حمدان بأن المصري صبور وليس ضعيفًا، وحينما يثور قادر على تغيير كل ما حوله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*