جارى فتح الساعة......

“مهد من ورق الشجر” للفلسطينية عايدة نصر الله : صبحي فحماوي

“رأيت نفسي فيه واقفة على صخرة عالية،
فجأة نظرت حولي وقد امتلأت جوانب الصخرة بالثقوب،

من كلّ ثقب أطلّ رأس أفعى مع عيون تحملق بي.
نظرت للأسفل، لم يكن لي مخرج، فأنا على قمّة الصخرة،
ولو عضتني واحدة ستكون الأخريات متربّصات بي، ليأكلن لحمي ميْتةً،
تذكّرت وأنا أسكن الكابوس أنّ الأفاعي لا تحبّ الميّتين، تحبّ اليقظين دومًا.
وبعد جفاف الريق، رأيت يدًا تشدني من شَعري وترفعني إلى أعلى،
فصحوت، ولم أدرك لمن كانت تلك اليد التي أنقذتني”..هذه هي د.عايدة نصر الله.. هكذا تستشعر نفسها في قصصها الكثيرة المعبرة عن مشاعرها الشخصية، وعن المشاعر الإنسانية عامة..
ومن الصعب في هذه العجالة الوقوف لتفسير الصخرة العالية، هل هي الكرة الأرضية القاسية علينا، وكيف هي مليئة بالثقوب؟ ما هي الثقوب التي رأتها؟ وكيف يطل من كل ثقب رأس أفعى؟

ومع معرفتنا بأن عيون الأفعى لماعة وحادة البصر، نستشعر كيف تحدق الأفاعي بالساردة المرعوبة.. وما دامت على قمة الصخرة، فلا مخرج لها من هذه العيون المتربصة بها..هل هم ناس المجتمع المتربصون بها؟ لماذا يتدخل الناس بشئون الناس، ما دام المراقَبون لا يضرون أحداً، ولا يعتدون على أحد؟ وكيف شبهت رؤوسهم برؤوس الأفاعي المنتظرة عض المرعوبة..
خلال هذا الصراع المرير مع أفاعي الصخرة، نجدنا نتشنج ونتوتر تضامناً مع المُتربَّص بها، كي لا تقع فريسة للأفاعي..ليأكلن لحمها ميتة، ولكنها تدرك أن الأفاعي لا تأكل إلا لحم الأحياء..فالعذاب للأحياء وليس للميتين..ولا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها..نستمر مرعوبين مع المرعوبة، فنصل معا إلى جفاف الريق..
كل هذا النص في بضعة سطور، فكيف تتأمل وتشرح كل قصص عايدة نصر الله التي تحتاج إلى مجلدات للحديث عنها.. وعايدة نصر الله دكتورة وبالطبع امرأة كبيرة، ولكنها بروح فراشة طائرة في حقل..بروح طفلة..إذ تقول لأبيها في قصتها بعنوان (هاجسة):
“ولأجلك سألبس تنورة صغيرة، وأربط ضفيرتين، وأزينهما بشريطين ملونين، وأقفز على ظهرك وأقول لك: يلله، قول : ماء ماء..يا غنماتي.. ماء ماء..”.
يستجيب لها: “حاضر يابا”..تكتب القاصة: “الفلاحون يقولون يابا وليس بابا.”
وتواصل سردها: “ولأجلك سأتكور ضمة ورد في حضنك، وأطلب منك قص الحكايا”
بصراحة أعجبتني خيالاتها، حتى المجنونة منها.. والتي لا يتسع الوقت لتفصيلها.. ولهذا كان لي شرف الحصول على الخمس والعشرين قصة حديثة منها؛ وهي: “الجيب، الجارزة السوداء، العربيد، حجر، ذلك الشيء، هاجسة، خصلة شعر، شهقة الموت، صحن كوشري، البطل الافتراضي، البطلة الافتراضية، دقات المهباش، شهوة اللحم، مجدّرة، الذي سافر في غفوة، حلم أزرق، أجمل ميتة في العالم، غياب، ربما، مشاغب، لحظات دراماتورغية، الحان، عودة، عفيفة، المصباح”.. أذكرها لكم لأنني قمت بقراءتها، ومتابعة تدقيقها، ونشرها مؤخراً في- عمّان- دار “الآن -ناشرون وموزعون”، تحت عنوان “مهد من ورق الشجر”.
كان سبب اهتمامي بهذه المجموعة القصصية، هو كونها تبرز مشاعر إنسانية، أقول؛ (بلدية- فلاحية)، ندر أن تستطيع كاتبة عربية فلسطينية أن ترسمها.. وسببٌ آخر كان الاهتمام بكتابنا العرب الفلسطينيين المحاصرين تحت الاحتلال، منذ 1948، ومساعدتهم على الانتشار عربيا، ومساعدتنا على فهمهم، والتعلم منهم، بخاصة أن د.عايدة نصر الله تُرجمت بعض رواياتها إلى اللغة الألمانية.. وهي معروفة في ألمانيا وغير معروفة في الوطن العربي.
كان اللوم الشديد الذي وُجِّه لابن بلدها، الأديب العربي الفلسطيني الكبير “أميل حبيبي” أنه قبِل الحصول على جائزة الدولة التقديرية الإسرائيلية، بينما هو المدافع بحرقة عن الوجود العربي الفلسطيني تحت الاحتلال، إذ أنه خلال 16 عاما من الاحتلال لم ينطق كلمة عبرية واحدة، وهو المدرس في مدرسة حيفا الثانوية، وعندما نطقها صفق له رئيس بلدية حيفا قائلاً: “ها قد نطقتها يا أميل”.. وكان الأولى أن يلومَ العربُ أنفسهم لعدم نشر وتسويق كتابات العرب الفلسطينيين تحت الاحتلال، ولعدم إعطائهم الجوائز تشجيعا، وتقديراً، وتمويلاً لكُتّاب ليس لهم مصدر رزق سوى أقلامهم، التي يحاولون بشتى السبل إبعادها عن الانكسار تحت واقع الحاجة والفقر، بل واليأس أحياناً..
ولهذا كان غسان كنفاني سبّاقا بتقديم إبداعات هؤلاء الكتاب ونشرها عربيًّا.. ومنه، وممن بعدِهِ، تعرفنا على قاماتهم البديعة، وتعلمنا منهم، نحن والكتاب العرب أجمعين، إذ كانت رواية “سعيد أبو النحس المتشائل” من أشهر مائة رواية عربية.. إن لم تكن أشهرها..
من عناوين هذه القصص، نستشعر القضايا التي صورتها عايدة، فهي وحتى لو كانت دكتورة أكاديمية، فإن رائحة المجَدّرة الفلاحية من أم الفحم ما تزال روائحها تعبق في جسد عايدة، ومثلها قصة “الجارزة السوداء” التي كانت الأمهات تغزلنها بالصنارة، و”العربيد الأسود” الذي ما نزال نخافه نحن الفلاحين، حتى ولو ولدنا في المدينة، فإن حكايات الأمهات والجدات ما تزال مسكونة فينا، وأما قصة “الحجر”، نحن نقول:
“رأسه مثل الحجر”..
الحجر، هو الحِرز الفلسطيني، وهو جوهرة العقد، وعُقدة الجوهر الفلسطيني، فهو رمز المقاومة الحزينة..إذ لم يبقوا له غير الحجر سلاحا، بينما زود الغرب أعداءهم بالقنابل الذرية، والغواصات النووية، ومع كل هذا بقيت العين تواجه المخرز، وتنتصر عليه، وبقي الحجر يواجه القنبلة الذرية ويطفئ لهيبها..
بقي طفل بعمر سنوات أربع يحمل بيده حجرا ويقذف به دبابة ميركافا تتقدم على مشارف قدميه، موقنا أن حجره سيفرط عقدها.. يا حسرة قلبي.
وهكذا تتوالى قصص عايدة نصر الله لا لتتحدث عن أطفال الحجارة، وإنما لترسم ملامح طفلة غريبة الأطوار مستغربة، صبية يافعة مشاغبة، قامة شابة نابهة، انحناء عجوز مقتدرة، تناطح الحياة المريرة تحت الاحتلال، ليس بحجر، وإنما.. بجديلة شعرها.
—-

صبحي فحماوي

(كاتب من الأردن)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*