جارى فتح الساعة......

ناجي عبداللطيف في بوح وقصيدة : أحمد فضل شبلول

يواصل الشاعر ناجي عبداللطيف منجزه الشعري، الذي يرتكز على الرؤية الصوفية للعالم، التي سبق أن رأيناها من خلال ديوانيه “على أعتاب المحبوب” 2007، و”وقوف جديد على الطلل العربي” 2014.

أما ديوانه الجديد “بوح وقصيدة” 2017 فهو يعد امتدادًا لتلك الرؤية، وبخاصة في قسمه الأول الذي لم يسمِّ الشاعر قصائده الست عشرة، وإنما أعطى لكل قصيدة رقمًا، وهو ما يتناسب مع خصوصية هذا الديوان، فنحن عندما نتطلع إلى السماوات والأرض والكون من حولنا نجد الأرقام أكثر من العناوين، ونجد في القرآن الكريم الكثير من الأرقام، نجد على سبيل المثال “ثاني اثنين، الظلمات الثلاث، الأشهر الحرم الأربعة”، وورد الرقم سبعة كثيرًا متمثلًا في: “السموات السبع، الأبحر السبعة، البقرات السبع، أبواب النار السبعة، السبع المثاني” ونجد الليالي العشر، والكواكب الإحدى عشر، واثنتا عشرة عينًا، وعليها تسعة عشر .. إلى أن نصل إلى ألف شهر .. إلخ.

بينما في القسم الآخر من الديوان الذي أطلق الشاعر عليه “بوح آخر”، نجد أربع قصائد ذات عناوين مختلفة، وهذه القصائد في رثاء الراحلين من أصدقائه وأساتذته: مدحت الكريوني، أمل سعد، د.محمد زكي العشماوي، ود.حسين علي محمد.

ربما تتضح الرؤية الصوفية أكثر في القسم الأول، الذي تكررت فيه لفظة أو كلمة “مولاي” ثماني عشرة مرة، خلافًا للضمائر التي تحيل إلى تلك الكلمة، أما في القسم الآخر فلاحظنا لفظ “سيدي” بدلًا من “مولاي” وتكرر أربع مرات في القصيدتين المهداتين للدكتور العشماوي “المشاوير والخطى الشاعرة” (ثلاث مرات) والدكتور حسين علي محمد “وردةٌ .. أم ترى عاشقٌ” (مرة واحدة).

وقد اختُصت “مولاي” بمناجاة الذات الآلهية في قصائد ناجي عبد اللطيف:

يا مولاي
دعني
أتلمس خطويَ
نحو ضياك

بينما اختُصت “سيدي” برثاء البشر مثل قوله في رثاء العشماوي:

يا سيدي
لم تزل
في ضمير الشعراء
قلبًا
يفوح بعطر الحياة.

وبطبيعة الحال، فإن الشاعر يدرك تمامًا الفرق بين الكلمتين “مولاي” و”سيدي”، ولا يصح في حالة مخاطبة البشر أن نخاطبهم بـ “مولاي” وإن كانت “ألف ليلة وليلة” ـ بما أنها عمل من أعمال الدنيا ـ كسرت هذه القاعدة، ولكن في الأعمال الصوفية التي تخاطب الذات الآلهية فاللفظ مناسب تماما لتلك المخاطبة. وليس معنى ذلك أن الشاعر تخلَّى عن لفظ الجلالة “الله” في قصائده، حيث لاحظنا وورود لفظ الجلالة “الله” أربع مرات في قصيدة واحدة، وهي التي تحمل الرقم (6) بالقسم الأول حيث يقول الشاعر في نهاية القصيدة:

فحسبي أني ..
أحببتك يا ألله
أيا الله
أيا ألله.

وكأن الشاعر في حلقة ذكر أو في حضرة جذب صوفي أو في ساحة “الجذبة” (حيث العنوان القادم لديوانه الجديد “المثول في ساحة الجذبة”) فيحلو له أن يردد لفظ الجلالة مرات ومرات. على هذا المنوال من المناجاة الصوفية، والعشق الإلهي تدور معظم قصائد الديوان، ويلعب الماء دورًا رمزيًا مهما مقابل عطش الوجد عند ناجي عبداللطيف، فنجده يقول على لسان شيخه (وهنا نلاحظ لفظا آخر غير مولاي وغير سيدي، وهو شيخي):

قال: بُني،
حين يروق الماءُ
تمهَّل
واحذر أن تخرج
حتى تندسَّ بأنفاسك
رائحة الماء
فيشربُ منك
ويروي عطشَ الوجد!

وإذا كان بعض الشعراء قد استخدم رمز الخمر والسُّكْر في أشعارهم مثل ابن الفارض في قوله: “شربنا على ذكر الحبيبِ مُدامةً .. سكرنا بها من قبل أن يُخلقَ الكرمُ لها البدرُ كأسٌ وهي شمسٌ يديرُها .. هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزجتْ نجمُ” فإن ناجي عبداللطيف لم يلجأ إلى استخدام هذين الرمزين (الخمر والسُّكْر) في عشقه للذات الإلهية، ولكنه استخدم الماء والعطش بدلًا منهما، إيمانًا منه بأنهما – أي الخمر والسكر كما يقول البعض – مصطلحان غريبان عن الشرع الإسلامي. فلم ترد الخمر وما يلحقها من سكر، في كتاب الله ولا في سنة رسوله، إلا بالذم واللعنة. وعلى الرغم من ذلك فقد أقر بعض الشعراء والنقاد عبارات الخمرة بأسمائها وأوصافها، ويريدون بها ما أدار الله على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق والمحبّة.
ويبدو أنه – درءًا للشبهات – فقد ابتعد ناجي عبداللطيف عن هذين الرمزين واستخدم الماء الذي يروي عطش الوجد، وكذلك استخدم رمز العطر أكثر من مرة في مثل قوله:

عسى
أن أتنسم
عطرَ محبتك الآسر.

ولعلنا لم نصادف كثيرًا استخدام العطر فيما يخص مفردات العشق الإلهي – وبخاصة في التراث العربي – في حين وجدناه كثيرًا في مفردات عشق المرأة، وبخاصة عند نزار قباني الذي يقول:

لجسمك عطرٌ خطير النوايا….
يُقيم بكلِّ الزوايا…
ويلعب كالطفل تحت زجاج المرايا
يعيش على سطح جلدي شُهورًا
كما ورْدةٌ في كتاب
ويضحك منّي ….
إذا ما طلبتُ إليه الذهاب.

ويُنهي نزار قصيدته الطويلة بقوله:

أحبكِ يا امرأةً
هي عطرُ العطورِ
ومسكُ الختامْ
لأجلِكِ ….
كانت أهم القصائد عبرَ العصورِ ..
وكان أهمُ الكلامْ …

أيضًا عند الشاعر أحمد غراب نجد رمز الماء والعطر معا في بيت واحد يقول فيه:

المرأةُ العطرُ طارتْ من رُبى رئتي .. والمرأةُ الماءُ مرت من مساماتي

أما شاعرنا ناجي عبداللطيف فقد استخدم في قصائده “العطر” استخدامًا مغايرًا تمامًا لاستخدام نزار قباني وأحمد غراب، حيث نجد أو نشم عطر المحبة للخالق عز وجل، وليس للمرأة أو الأنثى. وهو يدندن بالأوراد صباح مساء علَّ مولاه يمنحه عطرَ محبته الآسر، أو كما جاء في شعره:

علَّك
تمنحني
عطرَ محبتك الآسر.

ويكرر نفس الجملة بقوله:

وأسبحُ ..
في عطر محبتك الآسر.

لقد صوّر لنا العطر على أنه نهر أو بحر يُسبح فيه، ولعل الزائر للحرم المكي الشريف يشم رائحة المسك المنبعثة من الحجر الأسود، كما أننا نشم العطور المسكية في معظم مساجدنا الكبرى مثل مسجد الإمام الحسين بالقاهرة على سبيل المثال، وقد ورد ذكر الحسين في بعض قصائد الشاعر في دواوين سابقة، بل أهدى ديوانه السابق “وقوف جديد على الطلل العربي” إلى الإمام الحسين فقال:

“إلى سيد الشهداء
إلى سيدنا ومولانا الإمام
(الحسين بن علي)
رضي الله تعالى عنهما، أُهدي هذه المجموعة”

ويتكرر الحسين في ديوانه “بوح وقصيدة”، ولكن في رثاء الشاعر حسين علي محمد في قوله:

وردةٌ يا (حُسين)
أم ترى ..
عاشقٌ أنت؟

وقد تعمّد الشاعر ذكر لفظ (حسين) في رثاء الشاعر الراحل، بدلا من (سيدي) في رثائه للدكتور محمد زكي العشماوي، إنه يألف اسم حسين، الذي يتماهى مع اسم الإمام الحسين رضوان الله عليه.

الشاعر في جميع أشعاره يتعامل مع المطلق الذي لا يحده حد جغرافي أو تاريخي أو يوقفه شيء دنيوي ما، لذا يأتي ذكر (السد بأسوان) نشازا في مقطوعته الخامسة عشرة في قوله:

والطمي بأرض القلب
تحاصره النفس
كما حاصر
طميُ النيل
السد بأسوان.

وأرى أنه تشبيه غير مناسب في مقامات البوح والجذب والعشق الإلهي التي نعيشها في قصائد الديوان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*