جارى فتح الساعة......

المخايلة في “طرف من أخبار الحاكي” : عايدي علي جمعة

تبدو المخايلة بين الفن الشعري والفن القصصي منذ العنوان في هذا الديوان “طرف من أخبار الحاكي” للشاعرالمصري السماح عبد الله. فالعنوان الأصلي “طرف من أخبار الحاكي” والعنوان الفرعي “كتاب القصص” يصب كل منهما في ناحية القصص باعتبارها نوعًا سرديًا مهيمنًا، ولكن المتلقي يُفاجأ بـ”شعر السماح عبد الله” مما يحرك مؤشر الدلالة إلى نوع أدبي آخر هو فن الشعر.

ومن المعروف من ناحية التلقي أن السماح عبد الله بذل جهودًا في هذا الفن من قبل، من غير أن يلغي الفن القصصي بالطبع. وهنا تظل عملية المخايلة في الشاشة هي المهيمنة. فتظهر صورتان في وقت واحد متراسلتان، صورة الفن القصصي وفوقها دون أن تلغيها صورة الفن الشعري.

بعد ذلك يطالعنا توثيق حول كتابة هذه القصائد مضمونه “كتبت هذه القصائد على فترات متباعدة من 2001 وحتى 2011”. ولا شك أن هذا التوثيق ينهض بدور كبير في عمليات التأويل، لأنه من المعروف أن معرفة السياق الحاف بالعمل الأدبي تسهم كثيرًا في عمليات الفهم والتأويل، وتجعل مسار التلقي يسير في ضوء هذا السياق الحاف. وهنا تظهر هذه القصائد على مدار عقد كامل، وهذا العقد له صدى من الواقع السياسي والاجتماعي شديد القلق في الواقع المصري والعربي، حيث شهد آخر عشر سنوات قبل ما يسمى يالربيع العربي، خصوصًا ثورة يناير.

وينهض الإهداء في هذا الديوان بالتراسل مع شخصية “شهر زاد” الشهيرة في ألف ليلة وليلة، حيث يقول: “للحكاءة المنشدة، رفيقة الخُطا، وجارة الشجرات، العارفة كل شيء، فقط تنتظر مواعيد البوح، ومواسم الكلام”.

تصب هذه الإهداءة في عملية التخييل بين الفن القصصي والشعري، وذلك في قوله الحكاءة المنشدة حيث تستدعي كلمة الحكاءة جو الحكايات وتستدعي كلمة المنشدة جو الشعر. كما تبدو ثنائية الرجل/ المرأة في هذه الإهداءة أيضًا، فهو يهدي إلى رفيقة صباه أو على حد قوله رفيقة الخطا. وتتجاور العوالم فهي جارة الشجرات فيتم استدعاء العالم الطبيعي في الحكي. وهنا تطل عملية التذكر، فالذات الشاعرة تتذكر بداياتها في عالم القرية وأشجارها. وهنا تنهض المعرفة بالذات المبدعة بدورها في عملية التأويل فمن المعروف أن السماح عبد الله من قرية من قرى الصعيد. حيث يتميز هذا العالم بالخصوبة التامة في الحكي والإنشاد، وتعظيم الكلمة. وتأتي جملة “العارفة كل شيء” لتتراسل مع “شهر زاد ” ألف ليلة وليلة التي تتميز بالخصب في المعرفة والحكي. ولكن يثار سؤال هنا وأين حكاياتها التي لا تنضب؟ فتأتي الجملة التالية “فقط تنتظر مواعيد البوح ومواسم الكلام”.

فالكلمة لها موعد والكلام له مواسم. ولا تخفى بطبيعة الحال البنية المجازية المعتمدة التي تجعل للكلام مواسم وكأن فعل الكلام من الخصوبة بحيث يستدعي جو الحصاد ومواسم التزاوج. بعد ذلك تأتي “خطبة طرف من أخبار الحاكي” لتستمر عملية المخايلة بين الفنين أو عملية التضفير بينهما في تآلف عميق. فيتم البوح بجانب من تضافر الفنين في إبداع الذات الشاعرة. وهذا التضافر ليس وليد اللحظة. وإنما يمتد في الزمن. فيقول:

“أما بعد، فقد كنت في صغري أهيئ نفسي لأن أكون قصَّاصًا يكتب الصغير من القصص، أو روائيا يحكي الملاحمَ الكبارَ والسيرَ الطِّوالَ، وقد كتبت بالفعل عددًا من القصص، نشرتُ بعضها هنا وهناك، لكنَ الشعرَ شدَّني من يديّ الاثنتين فسرت وراءه مغمضَ العينين مسلوبَ القوى، وكأنني أصيرُ إلى قدري”.

فالمكرّس له عن الذات الشاعرة ضخها المتواصل في نهر الفن الشعري، وليس النهر السردي بأنواعه المختلفة في القص. وهنا قد يدهش المتلقي حينما يجد اهتمامًا كبيرًا بالجانب القصصي في هذا الديوان، فيزيل المبدع بعضًا من هذه الدهشة بهذه المعلومة. وليس ذلك فقط، وإنما لفت النظر إلى عملية التضافر بين السردي والشعري في إبداعه. على مدار دواوينه السابقة:

“حتى أن ديوانًا كاملًا سابقًا لي جاء كله شعرًا سرديًا هو ديوان “أحوال الحاكي”، ولا أظن إلا أن السرد سيظلُّ معي مرافقًا خطاي الشعرية وملحًا على موسيقا التفعيلات، ولست أخاف من أحدهما على الآخر، بل ربما أراه مُكَملًا له ومتممًا لقصده الفني”. ومن هنا فإن عملية المخايلة بين هذين الفنين تظل فاعلة عبر قصائد هذا الديوان. فتظهر بوضوح بعض السمات السردية على نحو ما نجد من كثرة القصائد ذات البنية الحكائية القصيرة التي تحمل سردًا محكمًا له بداية ووسط ونهاية، ويكتنز بدوره عناصر بنائية مهيمنة في الفن السردي القصصي، مثل مقولات الزمان والمكان والشخصيات وعناصر حوارية وغير ذلك، والكثرة الواضحة لاستخدام ثيمة الحكي بالفعل الماضي، خصوصًا “كان”. ذلك الفعل الذي يشير إلى العودة إلى الوراء. وقد كانت العودة إلى الوراء في هذا الديوان تتمثل في مرحلة الطفولة المبكرة. يقول في قصيدته: اَلسِّرّْ

كانت الجنازة امتدت
وغطت سقف قريتي
من مدخل الحقول
حتى أول المقابرِ
النسوةُ كن يلطمن الخدودَ
فانزويتُ
خلف نخلةٍ
وكنت أبكي
ربتت عليّ جدتي
وأعطتني رغيفًا ساخنًا
وحفنةً من التمور
ومشيت بجوارها

لا تخفى عملية رسم مجال الحكي في الفن القصصي، ونهوض المتواليات السردية بعملية التطور في بناء الحدث، وظهور الفعل “كان” الذي يُغرق هنا في الماضي البعيد للذات الشاعرة. وظهور عمليات التغلب على الموت في هذا المقطع. فالجنازة التي تمتد وتغطي سقف القرية والنسوة اللائي يلطمن الخدود في مواجهة الموت الذي لا يعرف معنى الرحمة. كل ذلك لم يمنع من وجود الطفل رمز التغلب على الموت. وظهور المقابر ـ رمز العدم – لم يمنع من ظهور الحقول رمز الحياة الخصبة. وكثرة النساء في المقطع لم تمنع من وجود الرجل المانح الخصب حتى وإن كان طفلًا. وهنا في هذا المقطع يظهر الواقع الريفي المعاصر كبنية واضحة في المقطع السابق من بكاء النسوة والخبز الممنوح للأطفال مع التمر. ولكن تظهر في البنية العميقة الأصداء الفرعونية ذات الجذور العميقة في النفس المصرية المعاصرة، خصوصًا في الصعيد مكان انتماء الذات الشاعرة، حيث يظهر الخبز المقدس في الحضارة الفرعونية باعتباره جسد الإله أوزوريس. ومن هنا كان الحرص الشديد على تفريقه فوق المقابر. بل إن الفراعنة كانوا يدفنونه مع موتاهم.

وتبدو الواقعية السحرية في بعض قصائد هذا الديوان بوضوح، خصوصًا طيران الشخصية المهيمنة في القصيدة من فوق بيتها. وقد حدث ذلك في قصيدة “محاذاة الأفق”. حيث وجدنا بطلة القصيدة تصعد خلف بطلها فوق بناياتها وتطير حتى تختفي في الأفق البعيد. وكان الضمير المستخدم هو الضمير الثالث “هي”. حيث جاء السرد عن بطلة تتشوق لحبيبها/ الطائر. وهنا يبدو الشوق للاتحاد بالحبيب لدى الأنثى عارما لدرجة الانفلات من كل ما يمسك بأجنحتها.

فأفردت يديها،
وجربت أشواقها التي تراكمت عشرين ليلة،
وليلة،
وخبَّطت في حفنة الهواء كالحمامة
كانت كلما ارتقت،
يخف جسمها،
كأنها تحملها غمامة
فتضرب الهواء في حنو شوقها العريانِ،
كانت قطعة الوقتِ،
على امتداد شوفة الحنينِ لا نهائية
وكان وجدها يقوم في الحشا،
كأنه حديقة من الورود أينعت،
على شعاعةِ الشمس التي أطلت فجأةً،
وكان الطائر الطوافُ،
يبدو كلما ارتقتْ،
على مرمى ذراع واحدٍ،
ثم يواصل اختفاءه العالي،
فلا ترى وراءه،
ولا أمامَه
فتضرب الهواءَ،
ظلت تضرب الهواءَ،
حتى لم يعد يقدر أن يبصرها أحد
من يومها،
ولم تعد .”

وفي قصيدة “التحرق” نجد بطل القصيدة يطير أيضًا. وكان الضمير المستخدم هو الضمير الأول “أنا” حيث وجدنا البطل يرتفع في الأسانسير حتى يتجاوز الأسانسير البيت ويحلق في الفضاء العريض. وصورة الطيران المبثوثة في هذا الديوان هي صورة روحية رامزة للتخلص من قيود المادة التي تمسك بتلابيب الروح وتمنعها عن التوحد بالعالم السماوي. وهي سمة صوفية واضحة. فكتابات الصوفيين مليئة بطيران ذوي الكرامات منهم. أما ملامح الفن الشعري كما تظهر في هذا الديوان فمنها القصدية في العنوان، حيث ظهر على الغلاف “شعر السماح عبد الله”. وهذه القصدية جعلت الفن الشعري هو المدخل المعتمد لهذا العمل، على الرغم من التصريح بفن القص في العنوان الأساسي والفرعي، ولكن منطوق “شعر السماح عبد الله” جذب الفن القصصي ليسبكه في إطار الفن الشعري بالأساس.

وعند السير في عملية التلقي لهذا العمل تظهر ملامح الفن الشعري بوضوح، حيث يبدو اعتماد الشكل الكتابي المنتمي للفن الشعري في الكتلة النصية للديوان. كما يبدو اعتماد المجاز ذا حضور لا يخفى في الكثير من علاقات المجاورة بين الكلمات. ففي قصيدة “فتاة عدن” يقول:

” لَقِيتُهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ،
وَكَانَتْ تَشْتَرِي بِفِضَّةِ الْحَنِينِ،
زَوْرَقَيْنِ سَابِحَيْنِ فِي بَحْرٍ وَحِيدٍ”

العلاقة التجاورية بين الفضة والحنين علاقة لافتة، فقد جعل للحنين فضة تشتري بهما فتاته زورقين سابحين. وهنا يطل التاريخ المهيمن لكتابة الفن الشعري الذي يكرس للمجاز وما به من فائض المعنى كما يرى “بول ريكور”. وليس هناك مانع بطبيعة الحال من استخدام المجاز وما يمنحه من فائض المعنى في الفن القصصي، ولكن الكلام هنا عن السمة المهيمنة. كما أن البنية الإيقاعية الخاصة المنتشرة في الديوان تميل به إلى كفة الفن الشعري.

ولكن أهم ما يميز هذا الديوان “طرف من أخبار الحاكي” للشاعر المصري السماح عبد الله هو عنصر الكثافة، وهو عنصر يميز الفن الشعري، حيث تكتنز القصيدة دلالات ومقولات فائقة في حيز محدود. وكأنها القمقم يحمل بداخله جنيًا عملاقًا رغم حيزه الضيق. ولكن عند تفاعل المتلقي، لا تلبث أن تنفتح سدادة هذا القمقم فتظهر على الفور عملقة هذا الجني التي لا يكاد يحدها حد. ففي قصيدة “النحّات” تظهر الكثافة بوضوح. وهي قصيدة تكرس للمبدع الذي يتمرد إبداعه عليه حتى تتسع الهوة بين المبدع وإبداعه. وهنا تظهر مقولة موت المؤلف. التي نادى بها بارت، حيث يرى أن الإبداع يفارق المبدع تمامًا بعد عملية الإبداع. وليس هناك مبدع يملك شيئًا من السيطرة على إبداعه بعد كتابته.

وهنا تظهر القدرة التصويرية لهذه المقولة في هذه القصيدة. وتطل بالطبع أسطورة “بجماليون” اليونانية التي تحكي عن نحات نحت امرأة فائقة الجمال وعشقها، ولكن حينما دبت فيها الحياة وجد الهوة شاسعة بين الصورة في عقله، وما حدث لها من تمثل العالم الواقعي. وهذه الأسطورة كانت ذات غواية خاصة لكثير من المبدعين في الشرق والغرب. ومن مظاهر الكثافة في هذا الديوان للشاعر المصري السماح عبد الله حضور التجربة الصوفية التي لا تعرف الحدود في بعض قصائده. ومنها قصيدة “الرسالة”. وتظهر بعض الرموز الصوفية الفاعلة مثل البحر والمعلّم والتابع والرحلة إلى الشاطئ الآخر. فتكتنز هذه المنظومة ثيمة جوهرية في اللاشعور الجمعي، هي ثيمة الرحلة. والرحلة هنا عبر البحر وليست عبر الرمل مما يجعلها تتراسل مع رحلات “أوديسيوس” و”السندباد”. ولكن الذات الشاعرة تنحرف عن طبيعة الرحلة كما تجلت عند “أوديسيوس” و”السندباد”. فتجعلها رحلة صوفية أقرب إلى المغامرة الروحية التي تنفصل فيها الذات عن القيود التي تقيدها وتنطلق في رحلة تطهير روحي خاص بها كي تتخلص هي بذاتها من قيودها الترابية.

وتكرس هذه القصيدة لعمليات التحول الروحي داخل الإنسان حيث يشب التابع عن الطوق. وبأثر من دلالتها المتنوعة وتنوع التفاعل معها في عملية التلقي تظهر الكثافة بوضوح. وتظهر أيضًا في قصيدتي: “الساقي”، و”ديمومة العاشق”. كما أن ظاهرة غياب المرجع في معظم قصائد الديوان تنحرف بالسمة السردية إلى السمة الشعرية.

يقول:
“كانت تحب طائرًا،
له علامَةْ
يفوت كل يوم في الغروب فوق دارها
فتشير من شباكها الواطئ
عندما تراه بالأصابع الحنون:

مع السلامة
وتملأ المساء
بالغناء”

فغياب مرجع الضمير هنا يمنح الكثافة للكتلة الشعرية، لأن المتلقي لا يعرف من صاحبة هذا الضمير، وما ملامحها أو اهتماماتها. مما يطلق خيال كل متلق للعمل كي ينهض بملء هذا الغياب حسب تصوره. ومن هنا فإن عملية التراسل والمخايلة بين فنين عريقين في الذات الإنسانية الفن الشعري والفن القصصي، لها حضورها المهيمن في هذا الديوان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*