جارى فتح الساعة......

العقل العربي وصناعة الإرهاب

تزايدت معدلات العمليات الإرهابية في السنوات الأخيرة عالميا، وصاحب ذلك اعتياد الإعلام الدولي توجيه أصابع الاتهام إلى جماعات تنتمي لأصول عربية أو لفكرها ومعتقداتها.

وسواء أكان ما يتداوله الإعلام الدولي مدعيا ومسيسا من الخارج ، أم صادقا وناقلا للواقع فعلا، فإن الأمر يقتضى مناقشة فرضيتين جوهريتين:

 ـ الأولى افتراض أن العقل العربي بريء من تهمة تصديره للإرهاب ومن إنتاجه لبعض أشكال الفكر المتطرف ومن يمارسونه.
ـ والثانية هي كون العقل العربي كذلك بالفعل، وأنه ليس اتهاما وإنما حقيقة لها قرائن واقعية.

وإذا كانت الحالة الأولى هي الصواب، ألا يستلزم الأمر حينها مواجهة الفكر بالفكر؛ فنبحث ثقافيا عما نقل عنا هذه الصورة والأسباب السياسية الكامنة وراءها، ومواطن الضعف التي تم استثمارها في ثقافتنا ليغزونا الآخر عبرها؟

ألا يمكن التفكيرـ مجرد التفكيرـ بأن ثقافتنا تحمل بالفعل بعض بذور هذا التطرف من قدرة على الخصام، إلى الفردانية وعدم امتلاك القدرة على العمل الجماعي المشترك ، إلى استعداد لقتل الغير وصولا إلى تفجير وقتل النفس ، ناهيا عن الأحكام التي نصدرها على المخالف لنا فكريا ؟

لننظر إلى الخصومات التي تنشأ بين القبائل والجماعات والعائلات والأفراد ، وحجم العداءات التي تتكشف أبعادهل آنذاك ، والعنف الذي يتولد عنه.

لنتأمل أنماط الإدارة والحكم مثلا لتدلنا على الفردانية ، والديكتاتورية التي ندافع بها عن آرائنا ، ولنتأمل أكثر ما أصيب به البحث العلمي من سريان لهذه الروح ، وعدم إيلاء العناية للعلم من أساسه.

لنقرأ فكر القاتل والإرهابي والمجرم والظروف الاجتماعية التي أحاطت بهم ، للوقوف على بذور الإرهاب في وعينا العربي.

لننظر إلى الأحكام العدوانية القاسية التي يصدرها الكثيرون على المخالف منهم لعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والدينية والسياسية، وحتى المختلف معهم في الانتماء لفريق كرة قدم، هذه الأحكام ستدلنا على عيوب في التركيبة العربية قد تتمثل في الشيفونية، أو التفسير المخطئ لقوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس”، أو ترسخ فكرة تنصيب نفسه ظلا للإله في الأرض، مسئولا عن فرض عقيدته أو فكره على الآخر، وربما يتمثل في بحثه عن ملامح هوية ضائعة، كما كشفت نتائج بعض دراسات علم الاجتماع بشأن الجريمة والسلوك الإجرامي، وبخاصة للمنتمين لجماعات متطرفة دينيا، وهم ليسوا بقليل في الوطن العربي وخارجه.

لنعاود النظر في تعليمنا الذي يؤسس منذ الصغر لضرورة الاختلاف مع الآخر دينيا واجتماعيا وطبقيا، ويترك للميديا المستوردة التأسيس للعنف عبر برامج وأفلام ومسلسلات الأطفال، ويتجاهل الموروث الأدبي والفني العربي، والأدهى عدم الاهتمام بإنتاج الفنون والآداب العربية، وعدم مساندة المتبقي منها في الوعي الشعبي.

ألا تدلنا كل هذه التأملات على أننا بالفعل مدانون في الاتهامات الموجهة لنا من شعوب متقدمة؟، وبخاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار مقارنة الفكر والسلوك العربي مع فكر وسلوك مواطني تلك الدول المتقدمة، وإذا ما وضعنا في الاعتبار معدلات العنف والجريمة لديها قياسا إلى معدلاتها لدينا.

الفكر العربي يحمل هذه العيوب وغيرها، لأنه تخلى عن الإيمان بالعلم والثقافة والتربية والتعليم ودور ذلك جميعه في إصلاح هذه العيوب، وإن كان قد عمل على توفير أدوات الاستهلاك التي لم يكن استخدامها سوى تغريب للمجتمعات شيئا فشيئا، وإذكاء لكثير من العيوب المترسخة والكامنة.

ألم نتفهم بعد أنه يتحتم علينا ضرورة مراجعة الوعي العربي وعاداته وتقاليده وأمراضه الفكرية المتوارثة التي آن الأوان للاعتراف بها، وليس فقط توجيه الاهتمام وحصره في مراجعة الخطاب الديني فقط وقصر المسئولية عليه وحده، وذلك على الرغم من مسئوليته الضالعة؟.

بداية لابد من التوافق والاتفاق حول مفهومنا للتراث العربي، وعدم حصره في الفكر الديني الذي تمت صياغته بدءًا من القرن الثاني الهجري، أي منذ ما يزيد على الألف ومائتي عام وكان مناسبا لزمانه آنذاك، وهو سيختلف حتما عن التراث المعني هنا، وهو كل صالح للتداول الآن من الموروث الفكري والاجتماعي والديني والأخلاقي في القديم العربي البعيد، أو المنتج الفني والعلوم والأداب التي أنجزتها الشعوب العربية عبر مسيرتها في التاريخ العربي القريب (عصور النهضة وما تلاها).

إن القراءة البانورامية للتاريخ العربي ستكشف أن كل مرحلة من مراحله رسخت أفكارًا اجتماعية وعادات وتقاليد بعضها لم يكن إيجابيا، من نشر روح الفرقة والتناحر وإقرار لعادات سب المختلف سياسيا على المنابر وفي دور العبادة في الدولة الأموية، ومن إذكاء لروح العصبية والشعوبية لاستخدامها سياسيا ثم تحولها لفعل اجتماعي تاليا في الدولة العباسية ( تكفي مراجعة تاريخ المنصور والمهدي )، وتأجيج لروح الفتن والدسائس في الدولة الفاطمية، ثم الحكم العثماني وما ترتب عليه من تجهيل للشعوب العربية وفصلها عن أسباب التطور الذي لحق العالم من حولها.

كل ذلك أدى لتوريث الشعوب العربية عيوبا وسلبيات، حاولت نظم التثقيف والتعليم التخلص منها بدءًا من مطالع ق١٩م، ثم أهدر الاستعمار هذا التصحيح، وأضاف إليه سلبيات أخرى من أهمها التبعية الشرقية للغرب فكريا واجتماعيا، وبالتالي تزايدت معدلات الانفصال حتى عن القيم العربية الأصيلة التي كان يمكن لها أن تحمينا، وتزايدت معدلات الجهل والفقر والانحراف بمفهومه العام (انحراف الطبقات المتدنية الناتج عن الجهل والفقر، أو انحراف الطبقات الرفيعة الناتج عن الغنى بلا علم، أو انحراف أصحاب الشهادات العليا الناتج عن أمراض نفسية، وممارسات من القمع الفكري أو السياسي أو الاجتماعي التي ربما يكون قد تعرض لها، وتزايدت معدلات السلبية والاستسلام وعدم الدافعية.

هذه العوامل مجتمعة من الطبيعي لها أن تولد التشدد والانتماء للإرهاب من أبناء العرب ممن أصيبت عقلياتهم بسلبيات هذه العناصر، وبالتالي يتوجب علينا بدلا من الاكتفاء بتجريم الإرهاب وإدانته والدعاء عليه في دور العبادة الدينية، أن نعيد النظر في المفهوم العربي للإرهاب، ودراسته، وتصنيفه، وتحليل معطياته، وإيجاد آليات بناء المجتمع لمحاربته، واستثمار الجهات القادرة على فعل ذلك، وهي لدينا بالفعل، من جامعات ومؤسسات علمية ومراكز بحثية متخصصة وأدوات إعلام وتثقيف، وقبل ذلك جميعه الإيمان بأن العلم والتعليم والثقافة هي القادرة على الخروج بنا من أزمة تصدير عناصر الإرهاب، أو استقطاب عناصره إلينا (من خلال من ينتمون لفكرنا دون فهم صحيح ) ويمارسون الإرهاب فعلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*