جارى فتح الساعة......

محمد إبراهيم الدسوقي : أسرار محمد صلاح

تراوحت مسيرة النجم محمد صلاح بين الرجاء والإحباط، والعزيمة والإصرار، وعقبات وقفز فوق الأشواك، إلى أن أصبح على ما هو عليه الآن كرمز ناصع للبهجة والتفوق، الذي تخطى صداه حدود المحلية إلى العالمية بمعناها الحرفي والشامل.
محمد صلاح تحول من لاعب كرة قدم شهير، تتنافس عليه الأندية الكبرى في القارة الأوروبية، إلى عنوان ومرجعية للنجاح الباهر المعتمد على الذات، ونموذج للإرادة القوية القادرة على تحقيق المعجزات للأفراد والشعوب المثابرة، وذاك ما يهمني في حكاية محمد صلاح، الذي أصبح يُضرب به المثل في الالتزام الأخلاقي والمهني والتواضع الجم، ومقدرته الفائقة على إدهاش متابعيه، منذ بدء رحلة احترافه خارجيًا.

بعبارة أكثر وضوحًا ومباشرة؛ كيف يمكننا تحويل شفرة نجاح صلاح لأسلوب حياة تحتذي به الأجيال الشابة، التي تمثل الشريحة الأكبر والأهم من قوتنا البشرية اليوم وغدًا، وتفتش عن نموذج تقتدي به، وتقتفي آثاره عن اقتناع تام؟

نعم نحن ندبج قصائد المديح والإطراء لصلاح وإنجازاته ـ وهو جدير بها وبأكثر منها ـ ونتابع أخباره باهتمام منقطع النظير عبر منصات التواصل الاجتماعي، على كثرتها وتنوعها، ونترقب بشغف لا مثيل له مبارياته للاستمتاع بأهدافه البديعة، غير أن ذلك وحده لا يكفي، ولا يقودنا للنتيجة المنتظرة؛ لأن مفعول هذه الأشياء وغيرها يزول سريعًا ما إن يطلق حكم المباراة صفارة نهايتها، ويقف سيل التعليقات عليها.

ولكي نضمن لهذا النموذج الاستمرارية؛ نحن مطالبون بخطوات وإجراءات عملية، من شأنها جعل لغة النجاح هي الغالبة والمستقرة بين شبابنا، الذي يبحث عن منارات تهديه – وسط الأمواج العاتية – للمسارات الصحيحة، وتزوده بالأمل في أن الغد سيكون حقًا أفضل، وفرصه أوسع، تستوعب أحلامهم وطموحاتهم وأيضًا شطحاتهم وجموحهم، وأن مقولة من جد وجد ستطبق عمليًا وليس مجازيًا، وأن الكفاءات، خصوصًا القادمة من خارج العاصمة ومحيطها، ستكون صاحبة الحظوة والأولوية في كل موقع، وليس أرباب الواسطة والمحسوبية، وأن فلانًا أوصى عليه، أو يشمله برعايته.

وستكون خطوة عظيمة وقفزة للأمام إذا تبنت الدولة – ممثلة في وزارة التربية والتعليم – مبادرة إعداد موسوعة للمتفوقين في شتى المجالات، فما أكثر ما أنجزه الرياضيون الشباب في الأسابيع الماضية على المستوى الدولي، وما أنجزه المخترعون الشباب الذين نالوا تقدير واحترام الكثير من الهيئات والمؤسسات العالمية، بخلاف ما أنجزته وتنجزه شخصيات قديرة ومعطاءة، مثل الدكتور مجدي يعقوب، والدكتور أحمد زويل، والمهندس هاني عازر، والقائمة تطول وتطول…

وآمل أن تتضمن هذه الموسوعة إنجازاتهم بالدقة والتفصيل، وأسرارها وكيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وما قيل وكتب عنهم، فهم ثروة لا تقدر بثمن، ورصيد عظيم لقوتنا الناعمة التي طالما تحدثنا عنها، وعن سبل استرجاعها، مثلما كانت في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.

العمل في حد ذاته – الموسوعة – سيصبح حافزًا لمن يطالعه، وسيدخل السعادة على نفوس من تشملهم، وسوف يشعرون بفخر شديد، أن تعبهم واجتهادهم كان له مردوده وتأثيره الإيجابي، فبعض أبطالنا يشكون من نسيانهم وإهمالهم بمجرد خفوت أضواء الشهرة عنهم، أو بعد اختتام حفلات تكريمهم، وأظن أن سعادتهم لن توصف عندما يتصفحون ما ستضمه الموسوعة عنهم.

وبعد أن يتم إعداد هذه الموسوعة، ينبغي أن نفكر في تحويلها سريعًا إلى مرجع يضاف لمناهجنا الدراسية؛ لكي تظل سيرهم تحت سمع وبصر طلابنا، وتكون نبراسًا لهم خلال مراحلهم التعليمية المختلفة؛ لأنها ستتحول لمحفز يفجر طاقاتهم الإيجابية ومواهبهم المكنونة، ولن يتخوفوا من اليأس والتعثر في الحياة، وسيتغلبون على ما سيواجههم من مصاعب ومعوقات.

دعونا نشر إلى حقيقة ماثلة أمامنا، وهي أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، باهتمامه وحرصه على تكريم الرياضيين، وإشعارهم بأنهم موضع تقدير وحفاوة من قمة السلطة في البلاد، يرسي بادرة طيبة، يُفترض أن نبني عليها ونجعلها حاضرة طوال الوقت.

فرجاء؛ حصنوا أبناءنا بقصص الناجحين في كل زمان ومكان، فسير المتفوقين ستتحول إلى حائط صد منيع يحمي شبابنا ومجتمعنا من غول التطرف والإرهاب، الذي ينسج خيوطه العنكبوتية حولهم، ويعزف على وتر الإحباط، وعدم تحقق الذات، والمتاعب الاقتصادية لدى شرائح كثيرة بمصرنا، ولنجعل من قصة نجاح محمد صلاح ضربة البداية في مشروع موسوعة النابهين، وانتظروا منها فيوض الخيرات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*