جارى فتح الساعة......

منال لاشين تكتب: انهيار أحلام مرشح آخر الليل

انتهى قبل أن يبدأ، أقصد حلم سامى عنان فى الرئاسة وهو حلم مبكر جدا عن الانتخابات الحالية وحتى السابقة. ربما يكون حلم عنان فى الرئاسة سابق على ثورة 25 يناير، ولكن المؤكد أن فكرة الوصول لحكم مصر داعبت عقل ومشاعر الرجل خلال ثورة 25 يناير، وفى ذروة الأحداث الثورية والدرامية التى شهدتها مصر، وفى ظل غموض مستقبل البلد، وفى ظل هذا وذاك كان «عنان» يرى نفسه رئيسا لمصر، ويبدو أن الحلم ألح عليه فغشى بصره عن حقائق لا يمكن تجاهلها، وعقبات لا يمكن لحكيم تخطيها أو حتى تصور القفز على حواجزها.
ولكن يبدو أن سامى عنان كان مدفوعا بحلم الرئاسة الذى تغلغل فى أعماقه حتى صار هوسا يسيطر عليه، فتحول الحلم إلى كابوس للرجل الذى منحته الحياة الكثير والكثير فلم يعرف متى يتوقف عن مطالبة الحياة بالمزيد.
هذه قصة درامية أكثر من كونها قصة سياسية. فمن الأحلام ما قتل صاحبه، ومن يعاند الحياة يخسر أحلى ما فى الحياة.
1- بداية الصعود
تغير مصير ومستقبل سامى عنان إثر حادثة الأقصر أو بالأحرى مذبحة الأقصر فى عام 97. فى ذلك الوقت ذهب الرئيس الأسبق مبارك إلى موقع الأحداث ليجرى معاينة بنفسه للحادث الذى هز مصر والعالم. وكالمتعاد كان فى استقبال رئيس الجمهورية كل القيادات المتوسطة فى الأقصر من الجيش والشرطة، وكان بينهم سامى عنان، واستعرض عنان أمام مبارك بيان القوات المسلحة عن الحادث. ولفت عنان نظر مبارك، ولم يستطع أحد أن يعرف سر إعجاب مبارك بعنان. ولكن كانت هناك عقبة أمام ترقى عنان للمناصب القيادية. وهو أنه لم يتخرج فى كلية القادة والأركان. فطلب مبارك أن يلتحق عنان بالكلية، وبالفعل التحق بها. وحصل على شهادتها. وبدأ عنان فى الترقى حتى وصل فى عام 2005 إلى رئاسة أركان الجيش وهو منصب كبير وخطير. ويلى المشير طنطاوى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع السابق.
2- أحلام الترشح
وظل عنان فى منصبه حتى داهمت ثورة 25 يناير الجميع. وكان عنان فى زيارة عمل عادية للولايات المتحدة الأمريكية. وأظن (وليس كل الظن إثم) أن هذه المصادفة أثرت فى فكر أو بالأحرى حلم عنان فى الرئاسة. ففى أمريكا كانت آراء كثيرة تحاول التعامل مع مفاجأة الثورة المصرية التى داهمت الجميع. ومن بين الآراء رأى لجنرالات أمريكا باستمرار السلطة كما هى بعد رحيل مبارك وترشح أحد قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمنصب الرئيس. وصادف هذا الرأى هوى لدى عنان. ولكن ما قوى أحلام أو أوهام عنان لما عاد إلى مصر هو تعفف المشير حسين طنطاوى عن الترشح. فالرجل أدى دوره كرئيس مؤقت بمنتهى الموضوعية ومن خلال التركيز على تسيير شئون الدولة فقط. وكان لدى المشير قناعة واضحة وحاسمة. فقد رأى أن ترشح أى عضو من المجلس العسكرى فى الانتخابات الرئاسية خطأ لأنه يعطى الفرصة لخصوم مصر فى الطعن على الانتخابات ونزاهتها، وذلك لأن المجلس كان يقود الفترة الانتقالية الأولى. وهكذا ضاعت من عنان فرصة الترشح فى انتخابات 2012. وضاعف من غضب وضيق عنان ترشح الفريق أحمد شفيق فى هذه الانتخابات، وأصيب عنان بحالة جنونية عندما حصل شفيق على المركز الثانى وحصد نحو 48% من الأصوات. فقد كان عنان وأسرته يشعرون أنه أحق من شفيق بهذة الفرصة، بل زين بعض المقربين من عنان له فكرة أنه كان قادرا على حسم المعركة لصالحه، ومن المرحلة الأولى فى الانتخابات.
وأظن أن عنان انتظر الانتخابات الرئاسية التالية على أحر من الجمر، وفى انشغاله بتحقيق حلمه لم يفهم أن الخريطة السياسية تغيرت، وأن قطار الانتخابات قد فاته إلى غير رجعة. وأن المواطنين تفاعلوا من الرئيس السيسى خلال توليه منصب وزير الدفاع وموقفه من مساندة ثورة 30 يونيو وإنقاذه لمصر من مخطط الإخوان والغرب. ومع ذلك أعلن عنان عن ترشحه لانتخابات 2014.. وعقب الإعلان قام بعض أعضاء المجلس الأعلى من زملائه بزيارة ودية لمنزله لإقناعه بالعدول عن موقفه.وخلال الزيارة ظل عنان يشكو من إهماله وعدم تقدير دوره وطلب عدة طلبات شخصية، ولكنه طلب أيضا عقد مؤتمر صحفى كبير ليعلن عدوله عن الترشح وهو ما كان. ولاشك أن عنان بالغ فى دوره فى العملية السياسية. فسامى عنان كان يعقد اللقاءات مع الإخوان والقوى السياسية بعد الثورة، ولكنه لم يكن صاحب قرار، وبالمثل لم يكن الوحيد الذى يلعب أدوارا لصالح مصر خلال هذه الفترة المضطربة. وعلى الأرجح أن عنان كان يلتقى بالإخوان والقوى السياسية لنقل وجهات نظرهم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. ولم تكن له لا الكلمة الأولى ولا الأخيرة. ولذلك احتاج عنان فى المحاولة الأخيرة إلى جسر للتواصل مع الإخوان فكان اختياره للمستشار هشام جنينة كنائب له. لأن جنينة له صلات مع قيادات الإخوان.
3- الخطيئة الأخيرة
قبل تصاعد الأحداث قررت أن أطلق لقب «مرشح آخر الليل» على سامى عنان. فقد أطلق بيان ترشحه على الإنترنت فى الساعة الواحدة صباحا. وقد اتهمه خصومه بأنه اختار هذا التوقيت ليسمعه أهل الغرب فى صباح أمريكا بينما أهل البلد الناخبين نيام. وأغلب الظن أن عنان وحملته أرادوا مباغتة الجميع أو بالأحرى البعض اختاروا هذا التوقيت المثير للدهشة والسخرية معا. وهنا كانت أول خطيئة للفريق عنان. فهو لا يزال على ذمة «تحت استدعاء» القوات المسلحة وبهذه الصفة كان يجب قانونا أن يستأذن القوات المسلحة، فضلا على أن ينهى علاقته بها ليتحول إلى مواطن مدنى من حقه إلحاق اسمه بجداول الناخبين. لأن أعضاء القوات المسلحة لا يمارسون حقى الترشح والانتخابات.وتمثل هذه الخطيئة الاتهامين الأولين الموجهين لعنان.
أما التهمة أو الجريمة الثالثة فلها علاقة بالبيان الذى ألقاه بلسانه، وإن لم يكتبه لا بيده ولا من بين أفكاره. وهنا كانت الخطيئة الثانية التى ارتكبها عنان لأنه بلا خبرة سياسية. فمن الممكن أن تجد عشرات من أساتذة الجامعات والخبراء يصيغون أفضل البيانات وأكثرها سخونة، ولكن بشرط ألا يخرج البيان عن أفكار المرشح نفسه، والأهم والأخطر ظروف المرشح. فعنان هرول للترشح للرئاسة وأحاط نفسه بمستشارين يختلفان عنه تمام الاختلاف. مستشاران رأيا فى هرولة عنان للترشح فرصة لتصفية حسابات. وفى الوقت ذاته رأى عنان فيهما الخبرة السياسية التى يفتقدها، وصلات للمعارضة للإخوان لم يجرؤ عنان على إقامتها يوما ما. ولذلك لم يدرك عنان خطورة ما جاء فى البيان من رجل لا يزال مرة أخرى على ذمة القوات المسلحة. بل إن عنان سارع بوضع اسمه فى قاعدة بيانات الناخبين بالمخالفة لوضعه الحقيقى. وبذلك انتهى حلم عنان فى حكم مصر إلى كابوس وثلاث تهم. ولو كان ثمة درس لتجربة عنان فهى أن البعض يريد أن يحصد كل شىء ويأخذ أى شىء. ومن يريد أن يحصد كل شىء لا يحصد سوى المرارة والندم. أما الدرس الثانى فإنك لا تستطيع أن تهرب من ماضيك وحاضرك لمجرد الرغبة فى ذلك. فخطوات الإنسان فى المستقبل تحدد بشكل كبير بمهاراته ووضعه فى الحاضر والماضى. ومن يحاول تخطى هذه القواعد البديهية يدخل بقدميه وبكامل إرادته إلى عالم المجهول.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*