جارى فتح الساعة......

صبحي فحماوي يكتب: الحقوق غير محفوظة للمؤلف

كنا نقرأ على الصفحة الثانية من كل كتاب مؤلف عبارة “الحقوق محفوظة للمؤلف” وأما اليوم فلقد انقلبت الموازين، وذلك مع تحكم الرأسمالية المتوحشة بموازين القوى الإنسانية، في عصر يزداد فيه التشدق بـ”حقوق الملكية الفكرية”، إذ يزداد انتهاك الملكية الفكرية، وبالتحديد تزداد حقوق المؤلف انتهاكًا، إذ أنني اقرأ كثيرًا من العقود التي يوقعها كُتّاب ومبدعون ونقاد أدب، لا أريد أن أقول أنهم جهلة بحقوقهم، ولكنهم مضطرون لإصدار كتبهم بأي شكل حتى ولو تنازلوا عن حقوقهم المالية إلى الأبد، إذ إن العقد الذي أصبح مسيطرًا في دور النشر والذي يقول إن المؤلف يتنازل بموجب هذا العقد تنازلًا كليًا عن حقوقه في الطباعة والنشر لهذا الكتاب، ولا يحق له إصدار هذا الكتاب الذي سيصدر عن دار النشر منذ اليوم وإلى الأبد مقابل خمسة وعشرين إلى خمسين نسخة تتصدق بها بعض دور النشر على المؤلف، ولا أعمم.
شاهدت عقدًا لأستاذ دكتور عربي – أستطيع ذكر اسمه لو طلب مني ذلك في تحقيق- كان قد قدم عشرة كتب، هي مؤلفاته كلها إلى دار نشر، ووقع عقدًا ملزمًَا له معهم، ينص على تنازله عن حقوقه إلى الأبد، مقابل طباعة كتبه ونشرها، وإعطائه خمسة وأربعين نسخة من كل كتاب مجانًا ثمن جهوده في التأليف والكتابة، ولاحظوا لفظ “مجانًا” وكأنها صدقة محسنين.

وشكا لي صديق قائلًا إن صاحب دار النشر قدم له عقدًا ينص على أن يتم نشر كتابه مقابل أن “تمنحه” دار النشر ثلاثين نسخة مجانية من الكتاب، لا أكثر، وبالمقابل يتنازل المؤلف عن حقوقه كاملة في الطباعة والنشر، وإلى الأبد، ولاحظوا لفظ “تمنحه”.
لم أدهش من هذا العقد الذي يُعقِّد من لم يتعقد، ذلك لأنني شاهدته من قبل، أما وقد صار هذا “العقد شريعة المتعاقدين” يتعامل بها كثير من الناشرين، ولا أقول كلهم، فهذه مصيبة ما بعدها مصيبة، بدأت ثم انتشرت بقرار “الرأسمالية المتوحشة” بما أسموه: “تجفيف منابع دعم الكِتاب، أو ما يكتبه الكُتاب” وكأن الكُتاب إرهابيون، مطلوب تجفيف منابع تمويلهم.

وكانت المؤسسات الثقافية التي تدّعي بكونها مفلسة، أو كي لا تفلس، قد بدأت بنشر مقالات الكُتاب بدون مكافآت، ولم تنته بحرمانهم من حقوق نشر كتبهم وإلى الأبد، ذلك لأن كثيرًا من الكتاب وجدوا أنفسهم في السجون، وبعضهم غادر الحياة على جناح سطر أو بيت شعر كتبه لم يعجب الحاكم، أو لم يعجب رجل الدين، فقضى مشنوقًا إلى جنات النعيم، مثال ذلك الشاعر العراقي احمد النعيمي الذي قال في قصيدته:
“نحن شعب لا يستحي
ألسنا من بايع الحسين ثم خنّاه؟
ألم تكن قلوبنا معه وبسيوفنا ذبحناه؟
ألم نبك الحسن بعد أن سممناه؟
ألسنا من والى عليًا، وفي صلاته طعناه؟ ”
فكان جواب رجال الظلام أن رفعوه برافعة “حداثية، قوية عملاقة الطول والضخامة” لتسقط رقبته مشنوقة أمام رجال التسلط والسلطة الغاشمة.. وكثير غيره أغلقت عليهم زنزانات معتمة لقاء تفسير سطر من قصيدة، لم يكن أحد لينتبه لها، لولا جبروت المتجبرين بالسلطة.

وكان قد حكم على شاعر فلسطيني بالإعدام لكتابة سطر تم تفسيره ظلما وبهتانا على أنه يخالف الشريعة.. أية شريعة؟ فالشرائع هذه الأيام ما شاء الله كثيرة، وكل شريعة تنطح أختها.

لا أفهم كيف يسمح بفتاوى يصعب عليّ ذكرها هنا، وقد قرأتها لمفتنين منشورة في صحف شهيرة، وكيف لا يسمح لكاتب أن يكتب قصيدة أو مقالًا يتعرض فيه لفكرة خطرت بباله، هل نحن نعيش في العصر الذي أحرقوا فيه من قال إن الأرض تدور، وما يزال بعض المتفيقهين يؤلفون مجلدات تحوي تفاسير مطولة لمعتقدهم ونحن في القرن الحادي والعشرين أن الأرض لا تدور، بينما لا يسمح لشخص يستنجد بالله قائلًا: “أين أنت يا الله عن عذاباتي التي لا أحتملها” فيجد نفسه في سجن مآله الإعدام أو المؤبد.

قرأت فقرة في كتاب “أخبار الحمقى والمغفلين” لابن الجوزي، لا أستطيع نقلها هنا، في هذا المقال، نعم ، لا أجرؤ على مجرد النسخ، رغم أن الكتاب لفقيه مسلم حفظ القرآن وعمره تسع سنوات، لا أستطيع ذكرها قطعيًا لأنني لو ذكرتها لقامت الدنيا ولم تقعد، تستطيعون التدقيق فيها في إحدى صفحات الكتاب، ولا أنصحكم بذلك. ولكن مؤلف الكتاب لم يُشنق ولم يحرق كتابه، كيف كانت سعة صدر الحكام ورجال الدين في عصر التنوير الإسلامي، وكيف صارت سيطرتهم المجحفة في بعض الأحيان.

كيف حكم رجال الدين بحرق ألف ليلة وليلة، بينما يقام لها في ألمانيا كل سنة أسبوع احتفالي، كمهرجان بحث وقراءة وتدبُّر وتمجيد، في جامعة ألمانية مختلفة.

نعود إلى حقوق المؤلف الذي يتقاضى في أوروبا لقاء أية أمسية ثقافية يقرأ فيها قصيدة أو قصة قصيرة، أو قضية ثقافية مبلغ خمسمائة يورو، ولكننا اعتدنا في وطننا العربي على دعوة أي مفكر أو قاص أو روائي أو شاعر ليقول ما يقول، وفي نهاية الأمسية، قد نقدم له كوب ماء ليشربه، وإذا لم يتوفر الماء النقي ، نقول له:”اشرب البحر” !

واسمحوا لي أن أتساءل: لماذا يغتني الكاتب في بلاد الغرب، بينما يفقر الكاتب العربي الذي يقدم عصارة فكره في كتاب، لتنوير أبناء وطنه، وتقديم فكر الأمة هادفا التطوير والتثقيف والإمتاع، إذ لا يجد المؤلف أمامه وقد جفت مصادر طباعة كتابه من قبل وزارات الثقافة العتيدة، أو المؤسسات الثقافية المعتمدة وطنيًا لدعم الكتاب، إلا أن يدفع ما لا يقل عن ألف دولار لتقبل دار نشر خاصة طباعة كتابه، وإعطائه خمسين إلى مائة نسخة، لا تحق له بعدها أية مطالبة..وهذا الدفع قد يكون استدانة من بنك أو جهة تمويل أو بيع عقار له أو ذهب زوجته، ليرسخ أفكاره كي لا تفنى بموته.. بينما كان الكاتب يأخذ وزن كتابه ذهباً في عصر المأمون العباسي..لاحظوا الفرق!

نحن لا نحيا في عصر حروب تدميرية لبعضنا بعض فقط، بل نحيا ونحن يعتصر بعضنا بعضا، وهنيئًا لمن تعلّق بوظيفة ثقافية حكومية، أو بعقد، يكون فيه ناقدًا مقررًا لجائزة ثقافية عربية، ليقرر التقديم والتأخير لمن يشاء وكما يشاء.

وبناء على هذا الهوان الثقافي، أعود لعقود بعض الناشرين، فأطالب وزارات الثقافة التي لا تقدم شيئًا معقولًا لدعم كتب الكتاب، أن توقف مثل هذه العقود، وأطالب دائرة المطبوعات والنشر، ومؤسسة حماية حقوق الملكية الفكرية، واتحاد الكتاب العرب، التحقيق في هذه العقود المجحفة بحق الكتاب المساكين وتجريم المنتفعين منها زورًا وبهتانًا الذين يسطون على مقدرات كُتّاب يعملون ويفكرون ويُنهِكون جهودهم لتقديم إبداعاتهم وأفكارهم، ولكنهم لا يجنون إلا ما يجعلهم بجدارة فئة المستضعفين في الأرض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*