جارى فتح الساعة......

د.عايدي علي جمعة يكتب: توثيق الماضي في “كنت أرى البحر”

عن دار “ليان” للنشر والتوزيع، صدرت المتوالية القصصية “كنت أرى البحر” لأشرف العوضي 2014.

ومن خلال العنوان، تبدو عملية الارتداد بصورة واضحة، حيث يأتي فعل الكينونة “كنت . . ” في الزمن الماضي مسندًا للضمير الأول أنا، مما يشير إلى عملية تذكر الذات الساردة لأحداث عايشتها، ومشاهد رأتها في الزمن الماضي، وقد جاء الفعل أرى في حالة المضارع، فيدل ذلك على فترة متجددة في حياة الذات الساردة ومستمرة، لكن كل ذلك في إطار من الزمن الماضي، ثم يأتي المفعول به “البحر” فيذكر عالمًا مائيًا له غوايته الخاصة، وهو ثيمة أساسية في تاريخ الفكر الإنساني وشعوره ولا شعوره، وكان دائمًا فضاءً لمغامرات لها غوايتها الخاصة في الضمير الإنساني. ويظهر البحر دائمًا رمزًا للرهبة والمغامرة والاتساع الهائل والعطاء غير المحدود.

وهنا تتحدد الزمانية الماضية من خلال هذا العنوان، وتتحدد المكانية في شيئين: الشيء الأول هو البحر باتساعه وعمقه، وما يثيره من طموح مغامر وذكريات كرم فياض، والثاني هو اليابسة التي تقف عليها الذات الساردة، وتراقب هذا البحر الواسع. وتبدو الثلاثية التي تجمع الإنسان، متمثًلا في الضمير الأول أنا، والبحر، ثم اليابسة التي يطل منها على هذا البحر الواسع.

ومن هنا، فإن العنصر المائي له حضوره الفذ في هذا العنوان، ولكنه يأتي في موقع المفعولية، ويأتي الإنسان في موقع الفاعلية، ولكنها فاعلية لا تمعن في الفعل مع البحر، وإنما تكتفى برؤيته ومراقبته، مما يحول المواقع فيتحول البحر بطريقة ما من المفعولية إلى الفاعلية التي تترك بصمتها على الذات المراقبة.

وليس هناك ما يمنع بالطبع من عملية التداخل والتراسل بين البحر من ناحية، والعالم باتساعه من ناحية أخرى، باعتبار العالم الذي تقف عليه الذات الساردة وتراه بحرًا متلاطمًا بعيد الغور.

كل هذه الدلالات التي تظهر من خلال هذا العنوان، تتجمع وتشع ضوءها على محاور النص، وتسهم بالتالي في حركة توجيهه. ثم يأتي الإهداء اللافت في قوله: إلى من تحملتني كثيرًا زوجتي، وإلى صغاري زمنًا من حياة أبيهم علهم يفقهونه ذات يوم”.

فتقوى دلالة هذا الإهداء من دلالة العنوان، حيث تتجمع الدلالة من خلال ذات ساردة تحكي الآن ما انغمست فيه من ماء الحياة في زمن مضى وانتهى، ولكن بصمة هذا الزمن لا تزال تفعل أفاعيلها في هذه الذات الساردة التي تحرص على إضاءة هذا الجانب للزوجة والصغار لتكتمل المعرفة بالذات الساردة. وهنا تطل بوضوح ثيمة المفارقة التي لا نعدمها على مدار اللوحات السردية المتوالية فى هذا العمل.

ويجد المتلقي بعد الانتهاء من قراءة هذا العمل، وتفاعله معه، تجاوب المتوالية السردية الأخيرة فيه مع العنوان، فقد جاءت بعنوان “بحر” لتتأكد ثيمة المفارقة بين زمنين، تلك الثيمة التي كرست للرحلة عبر الزمن، حيث انطلقت الذات الساردة في رحلتها عبر الزمن، فتحولت من الطفولة إلى مرحلتها الراهنة.

ويبدو التساؤل الذي يحمل حسًا مأساويًا واضحًا في قوله عن البحر الذي كان يراه من شرفة منزله فرعًا من النيل “وعدت إليه بعد غربة طويلة، وقد وشمنا الزمن بخاتمه الإجباري لأسأل نفسي هذا السؤال الكبير هل ما زلت أرى البحر”.

ويشى الاتكاء على الضمير الأول أنا، الذي ظهر منذ العنوان نفسه بملامح كبيرة من فن السيرة الذاتية.

وكان لوجود الزمن الماضي في العنوان، أثره في جعل الزمن الماضي هو العنصر المهيمن، فقد رأينا الجملة الفعلية تسجل حضورًا واضحًا على هذا العمل، وهذه الجملة الفعلية ذات الفعل الماضي تتجاوب تجاوبًا عميقًا مع العنوان الذي استدعى الزمن الماضي، وجذب بالتالي أحداثًا ومشاهد من الذاكرة.

وقد وقعت هذه المتواليات السردية في ثلاث دفقات كبيرة: الدفقة الأولى تأتى بعنوان “دحل الحمام”، وقد كتبت – كما أشار الكاتب- في الدوحة 2008، وتقع في 60 متوالية سردية، و تستغرق من ص 9 إلى ص 68، أما الدفقة الثانية فقد جاءت تحت عنوان: “دروب الرياحين”، وقد كتبت كما أشار الكاتب في كوانزو الصين 2013، وقد وقعت في 25 متوالية سردية، واستغرقت من ص71 إلى ص99، في حين جاءت الدفقة الثالثة تحت عنوان “كنت أرى البحر”، وقد كتبت كما أشار الكاتب في المنصورة ـ مصر 2014، ووقعت في عشر متواليات سردية، واستغرقت من ص 103 إلى ص 114. ثم تأتي متوالية سردية لا تندرج تحت الدفقات الثلاث السابقة بعنوان “بحر” يجعلها الكاتب ختامًا لعمله اللافت.

ومن هنا، فإن مجموع المتواليات السردية وقعت في 95 متوالية سردية، استغرقت 115 صفحة تقريبًا، مما يعنى أن كل دفقة تستغرق صفحة واحدة، لأن هناك صفحات كثيرة بيضاء تتخلل المائة والخمس عشرة صفحة. وعند المعاينة، نجد أن المتوالية السردية في كثير من الأحيان تستغرق جزءًا يسيرًا من الصفحة، ربما تصل إلى بضعة سطور تعد على أصابع اليد الواحدة، مما يعطي انطباعًا واضحًا بالتركيز والاكتناز.

ويلفت النظر بقوة التقديم لهذه الدفقات الثلاث، فيقول في تقديمه لها:

“هذه الحمامات المختلفة الألوان والأحجام، هي كل ما استطعت أن أمسك بها، حين حطت من مكان سحيق في ذاكرتي لترتوي. كما كانت تفعل قبل سنين بعيدة. ولكن وبكل تأكيد، فإن الحمامات التي لم أستطع الإمساك بها أكثر بكثير”

وهنا يلعب الجانب الاستعاري اللافت دورًا كبيرًا في إقامة عملية توازن بين التقديم من ناحية والدفقات السردية من ناحية أخرى. فقد جاءت اللوحات السردية معتمدة نسق السرد القصصي الذي يبتعد إلى حد كبير عن المجاز الاستعاري لكن هذا التقديم اتخذ من الجانب الاستعاري نسقًا معتمدًا، حيث جاء باستعارة لافتة لهذه المتواليات السردية فجعلها حمامات كثيرة بيضاء تنطلق من الذاكرة، والكاتب يمسك منها ما سجله في هذا العمل ويعترف بأن ما أفلت منه أكثر بكثير.

وصورة الحمامات البيضاء تستدعي حالة السلام التام وتستدعي الآفاق الرحبة وتستدعي الخصب، وهذا ما انسحب بالتأكيد على الدلالة المركزية في هذا العمل، حيث بدا جو القرية المصرية ـ من خلال “كنت أرى البحر” ـ محملًا بكل الدلالات السابقة. كما يلفت النظر تغير الأماكن التي أمسك فيها أشرف العوضي في كل دفقة، فمرة في الدوحة / قطر والدفقة الثانية في كوانزو / الصين والدفقة الثالثة في المنصورة / مصر.

كما تغير تبعًا لذلك زمان كتابة هذه الدفقات فبدأ في 2008 وانتهى في 2014.

ويبدو السارد المحوري منتميًا لعنصر الذكورة، ودائمًا ما يكون السارد المحوري طرفًا أساسيًا في هذه المشاهد أو مشاركًا فيها. ولكن رغم وجود السارد المشارك، فإن مشاركته أحيانًا تقتصر على دور المشاهد أو الناقل للمتوالية السردية، ولا يكون هو ـ في الغالب ـ بطلها المهيمن أو الشخصية الأساسية فيها، وإنما يأتي كشخصية هامشية فيها.

وتتحدد فاعلية دوره في اختيار المتوالية السردية ونقلها. ودائمًا ما يرتد بذاكرته إلى الوراء، جالبًا من الذاكرة مواقف لها غوايتها الخاصة، وهنا يتلاقى المنظور الطفولي القديم مع المنظور الرجولي الحديث، مما يصنع مفارقة تكون مؤلمة مبكية في كثير من الأحيان. بل إنها قد تصل إلى حد المأساة، وقد تكون هذه المفارقة ساخرة. وقد كانت الشخصيات كثيرة ومتنوعة ومن المهمشين المطحونين، استطاع الكاتب أن يلتقطهم في حالات ذات عمق بعيد الغور.

ورغم القصر الواضح لكل متوالية سردية، فإن ضربة المعول عند أشرف العوضي كانت في الأعماق. ويبدو التفاعل بين العنصر الذكوري والعنصر النسوي ذا هيمنة واضحة، حيث تضج اللوحات السردية بالشهوة القوية بين الجانبين، وتكشف عن حس مأساوي واضح رغم ضجتها بالحياة. ولم تعتمد المتواليات السردية الخطية أو الترتيب الزمني، فبدت كل متوالية منفصلة عن الأخرى، أو جاءت بطريقة عفوية، ولكن المتواليات في النهاية تصنع عالمها الخاص والمتكامل والكاشف عن نبض القرية المصرية وطينها ورائحة نباتاتها وعرق ناسها.

وكان لقصر اللوحات السردية الواضح في “كنت أرى البحر”، أثر فاعل في غلبة السرد، وهيمنته على الحوار بصورة واضحة جدًا، حيث لا يحتمل القصر الواضح للوحات السردية استدعاء الأصوات المتحاورة للشخصيات الأخرى. لقد نهض هذا العمل “كنت أرى البحر” لأشرف العوضي، بالإمساك بلحظات متغيرة، تفاعل فيها الإنسان مع مجتمعه وبيئته أو مع عالمه، لكن هذه اللحظات في تغيرها تكشف عن العالم الإنساني في جانب شديد العمق منه. وفى النهاية، تجب الإشارة إلى وجود أخطاء لغوية فادحة في هذا العمل يجب التخلص منها في الطبعات القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*