جارى فتح الساعة......

تلك الأنثى المجرمة.. لأنها أنثى : حسام السكرى

«بخصوص اللى حضرتك كتبته عن الستات الحلوة اللى بتخاف تبين ده فى الشارع، أنا كنت منهم. كائن مشوه شكليا. ألبس أكبر من مقاسى بدرجة أو إتنين. ألوان ملابسى تتراوح بين الرمادى والكحلى والأسود. ألبس أى حاجة غامقة وكئيبة تبعد عنى النظر. ملابس سادة بدون تصميم أو شكل. لكن صدقنى لم يرض هذا حراس الفضيلة. بالعكس. كانوا دايما عايزين مستوى أعلى من الكآبة.

لحد ما سافرت بره وشفت بالظبط اللى انت قلته. قررت من ساعتها أتغير. وبصراحة ملعون اللى مش عاجبه. الآن أعيش خارج مصر. ولما بنزل باكون فخورة بأنا مين وربنا خلقنى إزاى. المريض فى عقله مش فارق معايا. أنا اللى فارقة مع نفسى ببساطة شديدة جدا».

وصلتنى هذه الرسالة ضمن رسائل أخرى تعقب على ما نشرته على صفحتى فى فيسبوك عن «تصحر» الفضاء العام. عن تراجع وجود المرأة فى شوارعنا ومياديننا، وعن العداء المستحكم لمفهوم وشكل ومظاهر الجمال والأنوثة، الذى تمكن من ثقافتنا العامة وتحول فى غفلة من الزمن إلى نوع مبهم من الفضيلة.

المرأة ليست فقط رمزا، ولكنها الحب والجمال والأنوثة بذاتهم. خلقها الله زينة للحياة واستكمالا لجمالها. إلا أننا نجحنا فى إرهاب كل من تجرؤ على الإحساس بأنوثتها أو جمالها أو التعبير عن الفطرة التى خلقت عليها.

تحولنا إلى مجتمع يقدس القبح ويعادى الجمال ممثلا فى رمز الجمال المصفى: فى المرأة. مجتمع يحارب ويعاقب كل من تشعر بكينونتها، أو بسر الجمال الذى وضعه الله فى كل أنثى.

نفعل هذا ونتحسر بشكل يومى ومتكرر على شكل المجتمع المصرى فى عقود مضت. مرة بعد مرة نعيد نشر صور طالبات الجامعة فى عقود فاتت، ونرى من خلال تعاقب السنين تغيرا واضحا، ليس فقط فى الملابس وأشكالها ولكن فى درجة الثقة والبهجة والحضور والأناقة التى كانت تشع من تلميذات المدارس وفتيات الجامعة فى القرن الماضى وحتى عقود قليلة مضت.
تغير الفضاء العام وتشوهت ملامحه. صار مفروضا على المرأة أن تبذل أقصى جهدها لكى لا تبدو كامرأة.. أن تسعى لكى لا يكتشف من حولها أنها والعياذ بالله.. أنثى. لو جرؤت إحداهن على دخول هذا المجال المتصحر (أو حتى عربة المترو) بشعر مكشوف أو بفستان جميل، يتكهرب الجو. هذا يحوقل وذاك «يزغر» وآخر يتحرش ورابع يتسافل. وكلهم يدعون أنهم يفعلون هذا ردعا لها وهداية.

لن يعدم الأمر امرأة أخرى تنصحها بلين أو بغلظة، أو من تتسلل خلفها لتسكب على ملابسها ما يفسدها عقابا لها على فعلتها الآثمة، على إحساسها بأنها امرأة وأنثى وجميلة.

هذا المستوى المتدنى فى التعامل مع حق المرأة فى التعبير عن كينونتها ليس معتادا فى معظم أنحاء العالم.

الفضاء العام فى أغلب المجتمعات مرصع بطاقة الأنوثة والحيوية والحب والجمال ممثلا فى المرأة. مجال متزن لا مكان فيه «للزغر» والتحديق والتسافل. الكل يعلم ويقدر أن المرأة كائن جميل، خلق ليكون جميلا. الكل يعلم أن الجمال يثير البهجة وينشر الفرح ويدفع الناس للابتسام. الكل يعلم أن الجمال.. جميل.

فى مصر، يضغط المجتمع على الفتاة بمجرد بلوغها. منذ تلك اللحظة ينبغى عليها أن تقاوم الطبيعة، أن تخفى أية ملامح لأنوثتها التى بدأت تفور. هذا مجتمع صالح، لا مجال فيه للفخر بأن فتاة صارت امرأة، ولا للاحتفاء بأن هناك طفلة تخطو خطواتها الأولى نحو عالم الأنوثة الرحب والجميل. ستبدأ رحلتها فى العوالم السوداء والرمادية وسيتعين عليها أن تتحول إلى كائن مجهول الشكل والهوية. مسخ غير واضح المعالم.

انتهت أيام الطفولة الحرة. من الآن فصاعدا سيصبح كل ذكر لا يتميز عليها سوى بقطعة صغيرة من اللحم بين ساقيه، قيما عليها وحاميا لها. سيتنافسون جميعا على زجرها عن إثم أنوثتها بأى طريقة يرونها: بدءا من النصح اللزج وانتهاء بانتهاكها والتحرش بها لفظا ولمسا وحكا كنوع من العقاب.

أما الضحايا السابقات من بنى جنسها فستتقمص كثيرات منهن دور السجانة التى تكره أن ترى فى أى فتاة ما حرمت منه منذ الطفولة. ستوجه انتقامها نحو بنات جنسها وتمارس عليهن نفس القهر الذى عانت منه. مرة بالغلظة فى القول، ومرات بقطعة من العلكة (اللبان) تلصقها فى شعر أى فتاة جميلة تكديرا وانتقاما وتشفيا.

لكن الله يا فتيات ونساء مصر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*