“مذابح الأرحام” تهدد المجتمع.. خبراء يدينون “فيسبوك” والدراما.. وعلماء اجتماع: هروب من الأعباء

لم يتخيل الصغار الأربعة، أن أعمار الدمى ستكون أطول من أعمارهم التي قتلتها سكين الغدر، حتى تعفنت جثثهم الصغيرة بالقرب من أشلاء الأم، ولم يحلموا يومًا بأن يحملوا على الأعناق عبر أجولة وأكياس امتلأت بها صناديق القمامة، كما لم تشكك للحظة، صاحبة الخمس سنوات، بأن خالها سيفصل رأسها عن جسدها الصغير، ليخفي جريمته قبل أن يفض براءتها.
مشاهد سوداوية لا تقل عن ذلك المشهد الذي يقرر فيه أب ثلاثيني ومن دون ترو، الإلقاء بطفليه في النيل ليكونا وجبة شهية لأسماك مفترسة ربما كانت هي الأرحم بهم، لتستقر أجساد الطفولة المغتالة في ثلاجات الموتى، تنتظر التشريح وفتح الملفات المسكوت عنها فيما يعرف بجرائم “الأرحام” التي تهدد الأسرة والمجتمع.

البرامج الإعلامية ونشرات الأخبار والصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، كلها أدوات سلطت الضوء في الفترة الأخيرة على مثل هذا النوع من الجرائم، بل وتابعتها وأجرت التحقيقات وأصدرت الأحكام دون انتظار لنتائج التحقيقات، أو التدقيق في ماهية الأسباب الحقيقية التي حولت البيت الآمن للأسرة المصرية لمذابح يتقدمها الصغار ثم الأم في أغلب الأحيان، وهو ما جعل “بوابة الأهرام” تجري التحقيق التالي؛ للكشف عن أسباب الخلل المجتمعي وأخطاره المستقبلية حال ما لم يتم تجفيف منابعه.الهروب من الأعباء
تخلص الزوجة من زوجها بمساعدة العشيق وبإمرته، جريمة باتت مكررة عبر سنوات طوال، إلا أن الأغرب وما لفت الأنظار في الآونة الأخيرة، هو تخلص الأب من صغاره بالذبح والخنق والغرق وهو ما يعكس سلوكا جديدا لم يعتاده الشارع المصري والأسرة التي ظلت عبر العصور هي الملاذ الآمن لجميع أفرادها، ولكن الضغوط الاقتصادية وتفشي حالة الغلاء مع محدودية الأجور وتصاعد الأعباء، في ظل غياب الوازع الديني، كلها أسباب قد تجعل الشخص يصاب بحالة من الجنون وانفلات العقل، يفقد على إثرها كامل هدوئه وثباته وهو ما قد يدفعه للخلاص من مسببات تلك الضغوط وإن كانت بقتل الزوجة والأبناء، ظنا منه أن ما يفعله هو الحل الأمثل للجميع، وقد يعفيه من مسئولياته دون الالتفاف للعقاب الذي قد يصل حد الإعدام- بحسب ما قاله دكتور محمد رشدي، أخصائي علم النفس.

التقدم الطبي وتحاليل كشف الخيانات
رأي آخر اختصت به المعامل الطبية، يجزم بأن تحليل (دي إن ايه) الذي يفصل بما لا يدع مجالا للشك، في قضية الأنساب، ويثبت أو ينفي البنوة، سبب أدى لانتشار جرائم قتل الأبناء، فهو يمكن الزوج من اكتشاف خيانة زوجته وحملها من شخص آخر، لذا قد يكون له دور في ارتفاع معدل جرائم الأسرة وقتل الزوجة والأبناء، بعد انتفاء صفة الأبوة عن الأب المخدوع لعدة سنوات من زوجته وتيقنه من أن أطفاله ليسوا أبناء شرعيين له – معلومة لفت إليها الدكتور أنور شاهين، أستاذ التحاليل الطبية.
“فيسبوك” والسوشيال ميديا
أما الإعلام وأهل اختصاصه فلهم وجهة نظر مختلفة قد تدينهم بعض الشئ وقد تشير بأصابع الاتهام لثورة التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يقول الخبير الإعلامي الدكتور صفوت العالم، “إن وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا جعلتنا ننغمس في مثل هذه القضايا ونتابعها عن كسب بأدق التفاصيل، وهو ما جعل الأمر يتضخم بشكل لافت وينتشر ويكون حديث الساعة، خاصة لو أن أحد أطراف القضية يسرد التفاصيل ومستجدات الأمور على حسابه الخاص”.

يرى العالم، أيضا أن تلك المواقع فتحت الباب على مصرعيه لعلاقات وإعجاب غير مشروع، دفع كثير من الأسر للسقوط في الرزيلة، بسبب انهماك رواد تلك المواقع في صفحاتهم لساعات طويلة مع أشخاص مجهولون يتعاملون بالإشارات والابتسامات المرسومة على وجوه صغيرة غير حقيقة، لسد فراغ أسري معين، ويعلق باستياء:”للأسف نحن نتعلم أسوأ ما في الأشياء”.
يعقد الخبير الإعلامي مقارنة: وسائل الإعلام قديمًا كانت تكتفي بالمعلومة وتترك الحديث عنها منتظرة نتيجة التحقيقات، بعكس اجتهادات اليوم والاهتمام بنشر مثل هذه الجرائم بتفاصيل التفاصيل، وهو ما يدعو للتقليد الأعمى، فضلًا عن الكتابة التفصيلية لسيناريو الجريمة وأدواتها والتماس الأعذار للجاني في الدراما والمسلسلات، وهو ما ساهم لحد كبير في زيادة الوعي والخبرة الشخصية بالجريمة لغير المجرمين، ومكنهم من الأدوات وآلية ارتكابها.
“العالم”: تفاصيل التفاصيل في إعلام الجريمة أحد الأسباب
يستكمل: لقد صدر الإعلام في السنوات الأخيرة نماذج أسرية غاية في السوء، سواء للأب أو الأم، بشكل يعكس خيانات لم يعتادها المجتمع، حتى مستوى الحوار الأسري بات متدني والحوارات في غير السياق الأخلاقي، بعكس الدراما القديمة التي كانت تعلي من أخلاقيات أفراد الأسرة والتزامهم بالأصول والأعراف، وبات الأب حاليا محترف إجرام وأم سليطة اللسان وأبناء منفلتون أخلاقيا، وكل له مبرراته التي يريد المخرج تصديرها، وكأننا نصدر للمجتمع نماذج منحلة ونقول “هو دا الواقع”.
المجلس الأعلى للإعلام
ترتفع نبرة صوته قليلا بشكل يعكس استيائه وغضبه، حيث يرى صفوت العالم، أن معايير متابعة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، للأعمال الدرامية وبرامج الميديا بشكل عام، ليست دقيقة على الإطلاق وغير مجدية.
ويضرب مثال توضيحي: المجلس بيفرض غرامات على اللفظ الفاحش، في حين أن الدراما قد لا تتعرض لألفاظ نابية ولكنها في الوقت نفسه تقدم ما هو أخطر من الألفاظ، بنشر أفكار مغلوطة لا تمت للقيم بصلة من قريب أو بعيد و تصدرها للمجتمع على أنها ألوانا للتحضر مسلم بها، عن طريق تبرير الغلط الفاحش والإعلاء من قيمة النماذج المختلة وغير الصالحة كالرجل الديوث والبنت اللي ماشيه على حل شعرها- على حد وصفه، وإيجاد مبررات لتصرفات غير أخلاقية.
البطالة والمخدرات
في ظل غياب الوازع الديني وضعف الإيمان للشخص والفراغ والبطالة، يصبح تأثير تلك الوسائل الإعلامية، أكثر خطرا، وهو ما يؤدي لزيادة معدل الجريمة، فضلا عن الظروف الاجتماعية والعامل الاقتصادي و الفقر والحاجة للمال وهو ما قد يساهم في زيادة الانحراف وتغير قيم المجتمع- وفق تحليل خالد حبيب، استشاري التنمية البشرية.
ويشير أيضا إلى، أن تدني مستوى التعليم وفقدان الثقة في القوانين والتمسك بالانتقام وغسل العار -بيدي لا بي عمرو- في بعض المجتمعات، أحد الأسباب التي تجعل الزوج يقرر قتل زوجته الخائنة والتخلص من صغارها، كما أن المخدرات أحد أهم الأسباب للقتل وإن لم تكن جريمة خيانة من الأساس، لأن تلك المواد المخدرة وحبوب الهلوثة والإدمان تفقد الجاني صوابه وتدفعه لارتكاب الجرائم حتى وإن تطلب الأمر الخلاص من الأبناء والزوجة في سبيل الحصول على المال لجلب الجرعات المخدرة حتى لو على حساب ذبح جميع أفراد الأسرة.
عدم التصدي للقيل قد يدفع بالكثير
دكتور سميحة نصر، أستاذ علم النفس ورئيس شعبة بحوث الجريمة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، تؤكد أن معدل جرائم الأسرة ليس في تصاعد وأنها حالات فردية يضخمها الإعلام ووسائل التواصل الجتماعي وفي غالب الأحيان تكون شائعات، لتشويه صورة المجتمع المصري.
وتلفت الطبيبة المختصة، إلى أنه ليس لدينا إحصاءات دقيقة بأعداد تلك الجرائم لنثبت تصاعدها ولكنها قليلة بالنسبة لعدد أفراد المجتمع .
في الوقت ذاته، تشدد “نصر” على أن القليل من تلك الجرائم إذا لم تتم دراسته وتحليله مع التصدي له فقد يحدث الكثير والكثير، والتصدي هنا ليس أمنيا فقط بل اجتماعيا ونفسيا وعقائديا وإعلاميا، بما لا يغفل دور المجتمع المدني في التوعية ولغة الخطاب الأسري وثقافة الاختلاف مع الآخر سواء في المحيط الأسري أو الخارجي كي لا يكون الذبح والقتل هو وسيلة التفاهم.
نبض الشارع
الشارع المصري شريك في الأحداث، لذا كان له حق التعقيب حيث التقينا مها صالح، 37 سنة وتعمل مدرسة بالمرحلة الابتدائية وتقول: دعاة الدين والشيوخ أسباب حقيقة في ما وصل اليه المجتمع من عنف، لأنهم انصرفوا عن الدعوة واتجهوا للسياسة والميادين والخلاف على المناصب والمكاسب.
تضيف المعلمة، التي ظلت تنهر طفلتها لكي تتمكن من إسكاتها واستكمال الحديث: لم يعد هناك قدوة دينية على الساحة، البرامج أصبحت قليلة والقنوات الدينية الموجودة فقدنا الثقة بيها ومشكوك في توجهاته، لم يعد هناك عالم رباني يوجه ويوقظ الناس من غفلتهم لصحيح دينهم ويذكر بالصالحين الأوائل والتابعين في فمعاملتهم لبيوتهم، كله انخرط في السياسة وتركوا الدعوة والناس غرقت مع الشياطين والضغوط والأعباء.
فيما تؤكد صفاء يونس، أن الحل في التنمية وزيادة دخل الفرد أو على أقل تقدير متابعة الأسواق لتخيف الأعباء عن رب الأسرة المطحون بالديون والقروض، حتى تستقر الأسر وتهدأ وتيرة العنف الدائر، لافتة أن الغلاء المعيشي لم يعد يدع مجالًا لأي من وسائل الترفيه التي قد تمارسها الأسر قديمًا، ومن ثم حدث كبت خاصة في الأوساط الدنيا التي أوشكت على الانفجار.
ينصرف الخبراء، وتذهب الأم التي لازالت تصرخ في وجه صغيرتها “اسكتي بقا لاموتك” ولا تدري مدى العواقب الوخيمة لتلك الجملة على ذهن وذاكرة الرضيعة، لتبقى الأسئلة تتزاحم، لماذا كثر العنف في مجتماعتنا الشرقية بل وأين الطريق للعودة لأحضان الأسرة والبيت دون اللجوء لأسلحة بيضاء أو حوارات قد تنتهي بالطلاق على أقل تقدير.