تقارير

ترامب يقامر باقتصاد أمريكا ويطالب بتخفيض سعر الدولار.. تقليد اللعبة الصينية الشهيرة يدفع واشنطن نحو المجهول.. وتأثير ضعف الدولار على العالم

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له عبر “تويتر” إن الأمريكيين سيكونون أكثر ثراء عندما تتمكن الدولارات الأمريكية من شراء سلع وخدمات أقل في الأسواق العالمية، وذلك بأن تقل القدرة الشرائية للدولار.
ويكشف هذا التصريح الخطير إلى نوايا الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب بتخفيض قيمة الدولار عن عمد خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يذكرنا بما دأبت الصين على فعله على مدى أعوام مضت.
وكتب ترامب في تغريدته: “تلعب الصين وأوروبا لعبة تلاعب ضخمة بالعملة، وتضخ الأموال في نظامها من أجل التنافس مع الولايات المتحدة” مضيفا أن البنك المركزي الأمريكي يجب أن يواجه ذلك بتخفيض قيمة العملة الأمريكية في أسواق الصرف الأجنبي.
وبحسب تقرير لمجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية، بعنوان: “ترامب مخطئ، الدولار الضعيف يضر أمريكا”، فإن تخفيض قيمة الدولار يتطلب من الحكومة الأمريكي أن تصدر المزيد من الدولارات ثم تستخدمها في شراء عملات أخرى، مما يجعل من الأسهل والأقل تكلفة أن يتبادل الأجانب عملاتهم مقابل الدولار.
ويقول التقرير إن مطلب الرئيس الأمريكي يعتمد على فكرة خاطئة مفادها أنه كلما قل سعر صرف الدولار يمكن أن يوفر ميزة مستدامة في تشجيع الصادرات، وأن التصدير أكثر هو مفتاح النجاح الاقتصادي.
وأشار التقرير إلى أنه في الممارسة العملية، لا ينبغي أن يكون هدف الحكومة الأمريكية هو السعي لتقوية أو تضعيف الدولار، حيث يجب تحديد أسعار صرف العملات بحرية في الأسواق العالمية وفقا للتفاعل الطبيعيي بين العرض والطلب.
وأوضح التقرير أن أسعار الصرف العائمة خدمت أكثر الاقتصادات تقدما في العالم بشكل جيد لأكثر من 40 عاما، مما أتاح للتدفقات التجارية أن تتكيف مع تغير الأساسيات الاقتصادية. وكسجل، رفضت وزارة الخزانة الامريكية مرارًا وتكرارًا إعلان إما الصين أو الاتحاد الأوروبي مناورات العملة في تقاريرها نصف السنوية.
وأوضحت أنه بالنسبة لملايين الأميركيين العاملين، فإن سياسة خفض قيمة الدولار الأمريكي عن عمد في أسواق العملات العالمية ستجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، ولن يؤدي ضعف الدولار إلى جعل سفر الأجنبي أكثر تكلفة فحسب، بل سيؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار مجموعة من السلع القابلة للتداول التي تلوح في الأفق في ميزانيات الأسرة – مثل للمواد الأساسية كالأحذية والملابس والأثاث والسيارات والفواكه والخضروات الطازجة.
وأضافت أن هذا الأمر سيؤثر على الشريحة الأفقر بين الأميركيين خاصة، كما أن ارتفاع أسعار هذه السلع يعني انخفاض الأجور الحقيقية للعمال الأميركيين.
ونوهت بأن ضعف الدولار يعني أيضًا ارتفاع تكاليف الإنتاج للمصنعين الأمريكيين، لأن أكثر من نصف السلع التي يستوردها الأمريكيون ليست مخصصة للاستهلاك بل للإنتاج: المواد الخام والمدخلات الوسيطة والآلات الرأسمالية.
وأضافت أن انخفاض الدولار عادة ما يعني ارتفاع سعر المدخلات الحيوية مثل النفط المستورد، فإذا كنت تعتقد أنه من الجيد للصناعة الأمريكية أن تدفع أكثر مقابل الطاقة وأن تدفع العائلات المزيد مقابل خزان الغاز، يجب أن تسعى نحو دولار أضعف.
ولفتت إلى أن تخفيض قيمة الدولار سيؤثر سلبًا على “شروط التبادل التجاري” الأمريكية مع بقية العالم، إذ تقيس شروط التجارة سعر الصادرات الأمريكية مقسومًا على سعر الواردات الأمريكية، وهذا يحدد، على سبيل المثال، عدد أزواج الأحذية التي يمكن أن تستوردها أمريكا من الصين لكل طن من فول الصويا الذي ترسله الولايات المتحدة إلى هناك.
وأضافت: “يريد أنصار الدولار الأضعف من الناس أن يصدقوا، على عكس الإحساس السائد، أن الأمريكيين أغنى إلى حد ما، وأن التجارة “أكثر عدلًا”، إذا استطعنا شراء عشرين زوجًا فقط من الأحذية من الصين بدلًا من خمسة وعشرين زوجًا لكل طن من فول الصويا ، نبيعها”.
وأوضحت أنه يمكن أن يؤدي انخفاض قيمة الدولار بشكل مصطنع إلى تحفيز الصادرات على المدى القصير، ولكن العملة الإضافية التي يتم ضخها في الأسواق العالمية لخفض سعر الصرف يمكن أن تتسبب في حدوث عثرة في مستوى السعر العام – أي التضخم – الذي يلغي في نهاية المطاف أي ميزة من انخفاض في سعر الصرف الاسمي، في النهاية، لا يكون لإجراءات البنك المركزي سوى تأثير محدود وعابر على القيمة الحقيقية للعملة.
وتابعت المجلة في تقريرها: “إذا نظرنا إلى الوراء على مدى العقود الثلاثة الماضية من تجربة الولايات المتحدة ، باستخدام “مؤشر الدولار الأمريكي المرجح للتجارة الحقيقية” التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي باعتباره معيارًا، يبدو أنه لا يوجد فرق كبير في الأداء الاقتصادي سواء كان الدولار ضعيفًا أو قويًا”.
وأضافت أنه في الأرباع التي كان فيها مؤشر الدولار أقوى من المتوسط ​​1990-2019 ، بلغ متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي 2.7%؛ وفي الربع الذي كان فيه الدولار أضعف من المتوسط ​، كان النمو 2.3%، منوهة بأنه في الأرباع الأربعة الماضية تحت إدارة ترامب، بلغ متوسط ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 3.2%، في حين كانت القيمة الحقيقية للدولار أعلى من 6%.
وأكدت الدراسة الأكاديمية الأكثر صرامة التي تبحث في آثار انخفاض سعر الصرف على الاقتصاد الأمريكي، مثل دراسة 2018 التي أجراها وي سون وجيل كيم في مجلة الدراسات الاقتصادية، أن انخفاض قيمة العملة يمكن أن يوفر دفعة قصيرة الأجل للإنتاج، لكن سرعان ما تبددت هذه الآثار بسبب ارتفاع التضخم وانخفاض الاستهلاك، ومع عدم وجود تأثير طويل الأجل على الميزان التجاري.
وأكدت المجلة أن الولايات المتحدة كدولة ، لا ينبغي لأمريكا أن تنتج دولارًا ضعيفًا أو تخشى من أن يكون قويًا، ويمكن أن تكون عملة الولايات المتحدة قوية لأسباب كثيرة وجيهة. عندما لا يستخدم الأجانب الدولار الأمريكي لشراء الصادرات الأمريكية، فإنهم يريدون منهم الاستثمار في أمريكا في سندات الخزينة الأمريكية والأسهم والعقارات وفي المصانع المملوكة للأجانب في جميع أنحاء أمريكا.
وأشارت إلى أن الدولار القوي لا يعكس فقط فائدته كوسيلة للتبادل العالمي، ولكن ثقة العالم في أمريكا كملاذ آمن لاستثمار ثروتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق