المحامية ضحى أحمد صبيح تكتب: أولادنا أطفال اليوم.. بناة المستقبل

حين نتحدث عن المستقبل، كثيرًا ما ننشغل بما نريد أن تكون عليه الدولة، والمجتمع، والاقتصاد، والتعليم، وننسى أن المستقبل الحقيقي يبدأ من مكان أقرب إلينا بكثير.. يبدأ من أطفالنا.
أولادنا ليسوا مجرد أطفال نرعاهم اليوم، بل هم الأشخاص الذين سيحملون مسؤولية الغد.
كل كلمة نقولها لهم، وكل موقف نتصرفه أمامهم، وكل قيمة نغرسها في نفوسهم، ستترك أثرًا في شخصياتهم عندما يكبرون.
فالطفل الذي يتعلم احترام الآخرين، سيصبح شابًا يحترم مجتمعه.
والطفل الذي يتعلم تحمل المسؤولية، سيكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة.
والطفل الذي يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداوة، سيكون أكثر قدرة على بناء علاقات ومجتمع متماسك.
ولذلك، فإن تربية الأبناء ليست مسؤولية الأسرة وحدها، ولا المدرسة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والتعليم والمجتمع.
نحن أحيانًا نطالب أبناءنا بأن يكونوا أفضل منا، لكننا لا نعطيهم دائمًا الأدوات التي تساعدهم على ذلك.
نريد منهم النجاح، لكننا قد ننسى أن النجاح لا يعني الدرجات فقط.
نريد منهم القوة، لكن القوة لا تعني القسوة.
نريد منهم الثقة بالنفس، لكن الثقة لا تُبنى بالصراخ أو المقارنة المستمرة بغيرهم.
ونريد منهم أن يتحملوا المسؤولية، بينما نتدخل في كل تفاصيل حياتهم ونمنعهم من تجربة الخطأ والتعلم منه.
الطفل يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحدود. يحتاج إلى التشجيع، لكنه يحتاج كذلك إلى التوجيه. ويحتاج إلى أن نسمعه، لا أن نتحدث إليه طوال الوقت.
ومن أخطر ما يمكن أن نفعله بأطفالنا أن نقارنهم بغيرهم.
فلكل طفل قدراته، وشخصيته، وطريقته الخاصة في التعلم والنمو. وقد لا يكون الطفل المتفوق دراسيًا هو نفسه المتميز في المستقبل، كما أن الطفل الهادئ أو الخجول قد يحمل بداخله قدرات كبيرة لا تظهر إلا عندما يجد من يؤمن به.
مهمتنا كآباء وأمهات ليست أن نصنع نسخة منا، وإنما أن نساعد أبناءنا على أن يصبحوا أفضل نسخة من أنفسهم.
وهنا يأتي دور المدرسة أيضًا؛ فالتعليم الحقيقي لا يقتصر على الكتب والامتحانات، وإنما يجب أن يبني شخصية قادرة على التفكير، والحوار، والاختيار، وتحمل النتائج.
فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا أفضل، عليه أن يبدأ من الطفل.
أن يعلمه معنى القانون، واحترام النظام، والحفاظ على الممتلكات العامة، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، وقبول الآخر، والاعتماد على النفس.
فالمواطن الصالح لا يولد مكتملًا.. وإنما تُبنى شخصيته يومًا بعد يوم.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأطفالنا ليس المال أو الأشياء، وإنما الوقت والاهتمام والقدوة الحسنة.
فالطفل لا يتعلم مما نقوله فقط، وإنما مما يراه.
إذا أردنا منه الصدق، فليرانا صادقين.
وإذا أردناه محترمًا، فليرَ الاحترام في تعاملاتنا.
وإذا أردناه مسؤولًا، فلنعلمه المسؤولية بالممارسة لا بالكلام.
وفي النهاية، علينا أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يبدأ عندما يكبر أطفالنا، بل يبدأ منذ اللحظة التي نمسك فيها بأيديهم ونعلّمهم أول درس في الحياة.
أولادنا أطفال اليوم، لكنهم بناة المستقبل.
وما نزرعه فيهم اليوم، سنراه غدًا في مجتمعنا.
فإذا أردنا مستقبلًا أفضل.. فلنبدأ بصناعة طفل أفضل.



