اهم الاخبارمقالات واراء

المحامية ضحى أحمد صبيح تكتب: روح القانون قبل نصوصه

القانون وُضع ليحمي الإنسان، ويحقق العدل، ويحفظ الحقوق، وليس ليكون مجرد نصوص جامدة تُقرأ وتُطبق بمعزل عن الواقع.

فقد يلتزم الإنسان بحرف القانون، لكنه يبتعد عن غايته، وقد يكون التطبيق الحرفي للنص صحيحًا من الناحية الشكلية، لكنه في بعض الحالات يؤدي إلى نتيجة لا تتفق مع العدالة التي وُضع القانون من أجلها.

وهنا تظهر أهمية ما يُعرف بـ «روح القانون».

روح القانون ليست مخالفة للنص، وليست بابًا لتجاهله أو التحايل عليه، وإنما هي فهم الغاية التي أراد المشرّع تحقيقها من وراء النص، والنظر إلى القانون باعتباره وسيلة لإقامة العدل وليس غاية في حد ذاته.

فالقاضي لا ينظر فقط إلى الكلمات، وإنما يبحث عن المعنى الذي تحمله، وعن الهدف الذي قصد إليه المشرّع.

والمحامي بدوره لا تقتصر مهمته على سرد المواد القانونية، وإنما عليه أن يفهم الواقعة، وأن يضع النص في سياقه الصحيح، وأن يدافع عن حق موكله بالوسائل التي يتيحها القانون.

والأخطر أن تتحول النصوص إلى غاية مستقلة عن العدالة.

فإذا أصبح التعامل مع القانون قائمًا على الحرف فقط، دون فهم للظروف والملابسات، فقد يتحول النص الذي وُضع لحماية الحقوق إلى أداة تضر بها.

ولذلك فإن السهل في القانون أن تقرأ النص، لكن الصعب أن تفهمه.

قد يحفظ كثيرون مواد القانون وأرقامها، لكن الفارق الحقيقي يظهر في القدرة على تفسير النص، وربطه بالواقعة، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات.

فالعدل لا يعني أن يحصل كل شخص على ما يطلبه، وإنما أن يحصل كل شخص على حقه وفقًا للقانون والإنصاف.

ومن هنا، فإن احترام القانون يبدأ باحترام نصوصه، لكنه لا يكتمل إلا بفهم روحه.

نحن في حاجة إلى قانون يُقرأ بالعقل، ويُطبق بالضمير، ويُفهم في ضوء الغاية التي وُضع من أجلها.

فالنصوص وحدها قد ترسم الطريق، لكن روح القانون هي التي تدلنا على الوجهة.

وفي النهاية، يبقى القانون أسمى من أن يكون مجرد كلمات مكتوبة على الورق؛ فهو وعدٌ بالعدل، وحمايةٌ للحقوق، وضمانٌ لاستقرار المجتمع.

ولهذا، فإن أفضل تطبيق للقانون ليس الذي يتوقف عند حدود النص، وإنما الذي يجمع بين صحيح النص وعدالة التطبيق.

فروح القانون قبل نصوصه.. لأن القانون بلا عدالة يفقد الغاية التي وُجد من أجلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى