السلايدرعربى ودولى

تقرير: ماكرون يخوض معركة جديدة في الانتخابات البلدية الفرنسية نهاية الشهر الجارى

يخوض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معركة جديدة نهاية الشهر الجاري مع عقد الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية، والمقررة في 28 من شهر يونيو الحالى، والتي ستشكل اختبارا مهما لمكانة الرئيس الفرنسي وحزبه الحاكم “الجمهورية إلى الأمام” داخل المشهد السياسي الفرنسي، لاسيما في ظل تفشي وباء كورونا الذي شكل تحديا غير مسبوق للرئيس وحكومته.
وكانت الجولة الأولى من الانتخابات البلدية قد عقدت في 15 مارس الماضي مع بداية انتشار “كورونا” في فرنسا وأوروبا، وبدء السلطات الفرنسية اتخاذ إجراءات الغلق والعزل وهو ما أدى إلى عزوف أعداد كبيرة من المواطنين عن الذهاب والإدلاء بأصواتهم لتبلغ معدلات الامتناع عن التصويت نسبا قياسية تجاوزت الـ 55 %.
وتعرضت الحكومة الفرنسية لانتقادات لاذعة بسبب تنظيمها لهذه الجولة في أوج بداية تفشي الفيروس، وهو ما أدى إلى تأجيل انعقاد الجولة الثانية التي كانت مقررة في 22 مارس الماضي.
ويظل قرار إجراء الجولة الثانية من الانتخابات البلدية معلقا بقرار المجلس العلمي الذي يجتمع في 13 يونيو الجاري لتقييم الظروف الصحية في البلاد، وتأكيد إجراء هذه الانتخابات أو تأجيلها.
وكانت فرنسا بدأت تدريجيا خلال الفترة الأخيرة رفع إجراءات العزل تمهيدا للعودة إلى الحياة الطبيعية، حيث بدأت إعادة فتح المقاهي والمطاعم والكليات والمدارس، في أجزاء كبيرة من البلاد، مع الالتزام بقواعد صحية صارمة.
وبسبب الظروف الصحية الطارئة التي تشهدها البلاد، أكدت الحكومة الفرنسية أن الحملة الانتخابية للمرشحين ستتم بشكل غير مألوف حيث ستعتمد على وسائل أخرى غير التجمعات الشعبية المباشرة ولقاء الجماهير المحتشدة، والاعتماد بدرجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع الناخبين. وشددت الحكومة على توفير جميع الترتيبات اللازمة لتأمين هذا الاقتراع حيث سيكون ارتداء الكمامة الواقية إجباريا على كل ناخب، مع احترام قواعد التباعد الاجتماعي والمسافات وتعقيم مكاتب الاقتراع.
ومع ذلك لا يبدو أن كل هذه الإجراءات مقنعة لدفع الفرنسيين للتوجه إلى مكاتب الاقتراع، بل يتوقع المراقبون أن تشهد الجولة الثانية عزوفا انتخابيا بنسبة أكبر مما سجل خلال الدورة الأولى في ظل استمرار تفشي الوباء وخوف المواطنين من المخاطرة بحياتهم في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
ووفقا للمراقبين، تشكل هذه الانتخابات معركة مهمة للرئيس ماكرون لاسيما أنها تأتي وسط تفشي وباء كورونا الذي وضعه أمام تحد غير مسبوق على مختلف المستويات. فمن ناحية، بات لافتا التغير الذي طرأ مؤخرا على لهجة الحزب الحاكم “الجمهورية إلى الأمام” وتراجع الحماس الكبير الذي أظهره خلال الجولة الأولى، حيث أبدى الحزب حينذاك رغبة عارمة في قلب المشهد الانتخابي والحصول على أعداد كبيرة من الأصوات محليا وانتزاع مدن كبرى من أحزاب اليسار واليمين التقليدية، مثل باريس وليون وسترسبورغ. ولكن النتائج غير المرضية التي أسفرت عنها الجولة الأولى اضطرت الحزب إلى تغيير نبرته وتراجع حماسه وتطلعه للفوز بعشرات من البلدات فقط.
من ناحية ثانية، بات شبه مؤكد أن العاصمة الفرنسية باريس خرجت من سيطرة الحزب الحاكم حيث أفرزت نتائج الجولة الأولى تقدم عمدة باريس الحالية الاشتراكية، آن هيدالغو، بحصولها على نحو 30% من إجمالي الأصوات بينما جاءت مرشحة “الجمهوريين” اليميني، رشيدة داتي، في المركز الثاني بـــ 22%، وحلت وزير الصحة السابقة ومرشحة الحزب الحاكم، انييس بوزان، في المركز الثالث بحصولها على 17% من الأصوات.
ويبدو أن حظوظ هيدالغو قوية في الاحتفاظ ببلدية باريس خاصة بعد تحالف قائمتها مع حزب “الخضر”، وهو ما يضع مرشحة ماكرون أمام موقف صعب، بعدما توقع الكثيرون انسحابها من السباق الانتخابي بعد النتائج الضعيفة التي خرجت بها في الجولة الأولى، فضلا عن الخلافات التي نشبت بينها وبين الأغلبية الحاكمة على خلفية معالجة أزمة كورونا.
ونتيجة ذلك سعي الحزب الحاكم إلى عقد تحالفات في بعض المناطق وركزت تحالفاته بالأساس مع اليمين، ، ممثلاً في حزب “الجمهوريون”، الذي أصبح الشريك الأساسي للحزب الحاكم في أكثر من 75 قائمة، منها قوائم لرئاسة بلديات كبرى، مثل تولوز، وبوردو، وستراسبورغ، ونيس. وعكست هذه التحالفات إدراك الحزب عدم قدرته على انتزاع مدن وبلدات بمفرده، ومحاولاته حفظ ماء الوجه على الساحة السياسية.
ويأتي كل ذلك في وقت يشهد فيه المشهد الفرنسي توترا ملحوظا على العديد من الأصعدة. فمن ناحية، يعاني الحزب الحاكم من انقسامات واضحة تجلت الشهر الماضي بعد انشقاق 17 نائبا من الحزب وتشكيلهم مجموعة حزبية جديدة في البرلمان الفرنسي، وهو ما أفقد الحزب الأغلبية البرلمانية التي كان يحظى بها، وتسبب في مأزق حرج للرئيس الفرنسي.
من ناحية أخرى، بدا لافتا أن هناك توترا خفيا بين الرئيس ماكرون ورئيس وزرائه إدوارد فيليب الذي ارتفعت شعبيته مؤخرا في ظل جائحة كورونا، وفقا لاستطلاعات الرأي، حيث حظيت سياساته وقراراته بدعم شريحة واسعة من المواطنين على خلاف الوضع بالنسبة لماكرون. وألمحت وسائل إعلام فرنسية إلى وجود حالة من عدم التوافق في أعلى هرم السلطة حول طرق معالجة الأزمة حيث يفضل ماكرون الخروج سريعا من الأزمة وعودة الحياة إنقاذا للاقتصاد، بينما يتجنب إدوارد فيليب أي تسرع ويتبنى خطوات حذرة، وهو ما دفع الكثيرون للتنبؤ بقرب وقوع تغيير حكومي عقب الانتخابات البلدية على الأرجح.
في ضوء ذلك، يبدو واضحا أن الجولة الانتخابية المقبلة ستمثل معركة هامة للرئيس الفرنسي ومؤشرا فاصلا على قدرته هو وحزبه على الصمود أمام التحديات غير المسبوقة التي تشهدها البلاد، لذلك يتوقع أن تعكس نتائج هذه الجولة انطباعات الفرنسيين على سياسات الرئيس لاسيما تجاه أزمة كورونا، وتشكل اختبارا مهما له في النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق